يؤكد برنامج الأمم المتحدة للمتطوعين – UNV أن \”خلق بيئات يمكن من خلالها القيام بالعمل التطوعي، يمكن استخدام معرفة وخبرات المتطوعين من أجل الصالح العام\” وتتحدث الوثيقة التي نشرها في موقعها على أن \”هنالك أكثر من مليار متطوع سنوياً يقوم أغلبيتهم بأعمال تطوعية في أوطانهم\”.
وعلى ذات النسق يؤكد الاتحاد الدولي لمنظمات الصليب والهلال الأحمر أن \”من المستحيل تحقيق أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر الطموحة دون إشراك المتطوعين\”، وهو الأمر ذاته الذي تدعو له منظمة التعاون الإسلامي إلى ضرورة \”تأهيل وتدريب أفراد المجتمع الراغبين في العمل التطوعي من أجل إكسابهم المعارف والمهارات المطلوبة للتعامل مع مختلف أنواع الطوارئ والأزمات، ونشر وتعزيز ثقافة العمل التطوعي في المجتمع\”.
أدركت دولة الكويت باكراً ما يعنيه هذا الدور للتطوع والمتطوعين فقد صدر عن مركز العمل التطوعي التابع لمجلس الوزراء أول استراتيجية للعمل التطوعي في العام 2019 على مستوى المنطقة باركتها القيادة السياسية، ومن يراجع أدبيات الخطة الإنمائية للدولة عن الفترة 2020 – 2025 يجد أن المجلس الأعلى للتخطيط أشار في مضامينها إلى \”التوعية بأهمية العمل التطوعي في المجتمع وتوسيع أطر المشاركة الشعبية في الأعمال المجتمعية المختلفة وإنشاء مراكز تطوعية في المناطق السكنية ومراكز الشباب\”.
في الوقت الذي يجد العمل التطوعي بيئة حاضنة في العالم خاصة ما يمكن تسميته دول العالم المتقدم تصل فيه عوائد التطوع إلى معدلات تتراوح ما بين 12 – 14٪ من إجمالي الناتج الوطني أو الفيدرالي، لذلك تُولي اهتماماً واسعاً في توفير المناخ اللائق لأداء هذه الأعمال وجعلها مقياساً على مستوى التعافي للمجتمع ومدى قدرته على الصمود في مواجهة الأزمات والكوارث.
على سبيل المثال وجود أنظمة وتشريعات وأدلة عمل وسياسات حاكمة لأدواره وممارساته، تساعد على اكتمال البيئة التشريعية التي تمكن من أداء العمل التطوعي ومؤسساته بفاعلية وأثر متنامٍ، بالإضافة إلى توفر البيانات والمعلومات، فعدم توفير معلومات شاملة مبنية على بيانات دقيقة وموثوقة عن التطوع والمجتمع والفجوات التنموية ومجالات الفرص التطوعية والمؤسسات التي تقدم الخدمات والمساحات للمتطوعين والفرق التطوعية، وحين تتوفر البنية التحتية التقنية والربط الإلكتروني حتماً سيعزز من رفع فاعلية الأداء والكفاءة التطوعية.
ولعل من أكثر وسائل إنعاش العمل التطوعي وإدماج المتطوعين في بيئة الإنتاج توفير الموارد البشرية من القوى العاملة المؤهلة القادرة على إدارة التطوع بكفاءة واقتدار وإنجاز أعماله، خاصة إذا ما وجد دعماً مجتمعياً يحقق التنسيق الأمثل لتناغم الجهود بين جهات التطوع من جهة، وعلاقة هذه الأطراف التطوعية مع القطاعين العام والخاص من جهة أخرى. إن غياب التنسيق والتكامل يضعف العمل التطوعي بأشكاله وصوره المتعددة – كما سنعرف لاحقاً – ويتسبب في تفويت الفرص التطوعية الناضجة لتكريس الإنجاز والإنتاج في المجتمع.
وإذا ما أضفنا لما سبق عدم توفير الموارد المالية اللازمة لتمويل المبادرات التطوعية وتخصيص التمويل بصيغ متنوعة كإشراك القطاع الخاص في مجالات التنمية، بشكل يخدم الأولويات التنموية للدولة من باب المسؤولية الاجتماعية CSR التي تقدم طواعية وبقناعة، مما ينعش بيئة الأعمال التطوعية، خاصة إذا اقترنت بتوفير الحد الأدنى من الحماية للطواقم التطوعية كأن يتم منحهم بطاقات شخصية تحدد صفتهم ومهامهم وامتثالهم لمعايير الحوكمة المؤسسية.
وحين الحديث عن بيئة التطوع من المهم التطرق لكوامن القوة والضعف وكذلك الفرص والتحديات حتى نكون جميعاً على وعي وإحاطة بخصائص هذه البيئة وكيف يمكن إنعاشها ومضاعفة إنتاجيتها. فمن بين ملامح قوتها تنوع تمثيل وتخصصات وخبرات المتطوعين وكذلك أجيالهم وجنسهم، بالإضافة إلى وجود احتضان واحتفاء من الدولة والمجتمع وكذلك المنظومات الدولية، عدا عن كون العائد والأثر الذي يتحقق من التطوع على تحقيق الخطط الإنمائية وتسريع وتيرة تنفيذ البرامج الوطنية والوفاء بالتزامات أهداف التنمية المستدامة SDGs 2030.
إلا أن هذه القوة تتخفى فيها شوائب ضعفها؛ فالثقافة التطوعية بشكل عام تحتاج إلى رفع منسوبها وتعميق جذورها وتطوير قدراتها، ولازالت تسود الأداء التطوعي تلك النظرة النرجسية والنزعة الفردية، مما يتسبب في حدوث انقطاع أو تشظي الفرق والمجاميع العاملة وأحياناً الخروج بصور نمطية من التجارب السلبية تحول دون الاندماج من جديد في تجارب أخرى، ويزيد من عبء هذه الحالة التطوعية ندرة الكوادر الفنية المتخصصة المتفرغة للتثقيف والتوعية.
وهنا يجدر الحديث عن المخاطر التي تواجه بيئة التطوع؛ فالبيروقراطية والإجراءات الروتينية المستندية لدى الأطراف ذات الصلة قد تمثل أبرز العوائق التي تُثقل كاهل المتطوع، وهنا ألفت النظر إلى ضرورة التبسيط واتخاذ مسارات تتميز بالمرونة في التعامل مع الذهنية التطوعية دون إثقالها بأعباء الالتزامات المهنية التي تتطلبها أحياناً معايير الأداء الرسمي والمؤسسي، حتى نضمن استدامة هذا الأداء وتميز العوائد والمخرجات المقنعة للأطراف المعنية. وهو ما يتطلب من المتطوع كذلك تفهماً وتصبراً يتناسب مع واقع الالتزامات التي تفرضها مسؤوليات هذه الأطراف، وعدم استعجال قطف ثمرة الأداء التطوعي إعلامياً قبل إنضاجه بما يستحق من خطوات وإجراءات، مع تحسين ناتجه وتطوير عائده والإبداع فيه من خلال الاستثمار في رأسمال اجتماعي وتوظيف الموارد بما يعزز المواطنة والوحدة والهوية الوطنية.
العمل التطوعي الذي تقوم رؤيته على تحقيق التنمية المستدامة في أربع مستويات: \”السلوك والفعل والعمل والريادة\”، ساعد على تحديد أشكال كل مستوى.
وعلى الرغم من ذلك إلا أن هناك تنامياً في الوعي، ولعل اتساع الاحتياجات جغرافياً ونوعياً يزيد من فرص التأهيل والتدريب على الأداء التطوعي النوعي، مع وجود فجوات تنموية تؤكد الحاجة الماسّة لأشكال التطوع الريادي والاحترافي، الذي يملك مساحات أوسع في التأثير عبر شبكة العلاقات والامتدادات في دوائر العمل العام والمجتمعي.