الاستدامة ومقاصد الحج!

حين عزمت على الحج الأستاذة منى فتاح خبيرة الـ ESCWA (اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسياUN) كنت مبتهجاً لسعادتها وتمنيت عليها أن ترى الحج بنظارة الاستدامة وتعاهدنا على قراءة تأملات حجّها حال عودتها بالسلامة راجياً لها القبول والتوفيق، إنها رحلة ليست كسائر الأسفار فكل من يقصد هذه الديار يعيش تجربة استثنائية لا تشبه تجاربنا في الحياة ولا نظير لها عند أحد!.

على الرغم مما يشهده عالمنا المضطرب حيث تحاصره الأزمات البيئية والاجتماعية والروحية، تطلّ أحد شعائر الإسلام الكبرى كالحج لا بوصفها طقوسًا دينية جامدة، بل كبوصلة إنسانية ترشدنا إلى معنى أعمق للوجود، وعلاقة أكثر اتزانًا مع الذات والآخر والكون، إن في الحج إشارات ناطقة إلى فكرة “الوحدانية”، لا كعقيدة إيمانية فحسب، بل كنظام توازن واستدامة متكامل.

الوحدانية في الإسلام ليست مجرد توحيد للخالق، بل هي توحيد للمقاصد وتحرير للإنسان من التشتت والتغوّل، ودمج للروحي والمادي في سياق متوافق، يتجلى هذا المعنى بوضوح في شعائر الحج؛ حين يتجرد الناس من علائقه المادية، ويلبسون ثوبًا واحدًا، ويقفون في صعيدٍ واحد، مرددين نداءً واحدًا: “لبيك اللهم لبيك”. . إنها صورة مصغّرة للعالم كما ينبغي أن يكون: إنسانٌ واحد، في أرضٍ واحدة، يلهجون إلى ربٍ واحد، سعيهم في دروب التكامل لا التآكل!.

إن الحج مدرسة للعدالة والمساواة البيئية فحين نتمعن في تفاصيل الحج، ندرك أنها ليست شعيرة منفصلة عن هموم الأرض، بل ممارسة روحية تستدعي قيمًا عملية تتقاطع بوضوح مع مبادئ التنمية المستدامة، فالحج دعوة للترشيد والانضباط، والعدالة في استهلاك الموارد، واحترام المقدسات البيئية، بل إن النص القرآني يأمر صراحة: “ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها”.

وعلى الرغم من جهود بلاد الحرمين وقادتها في تسخير مواردها وتوفير الأمن وإشاعة أجواء الخشوع إلا أن السعي حثيث في تخفيف بصمة الانبعاثات الكربونية الناجمة عن مواسم الحج الذي قصده على مدى ٥٦ عاماً الماضية أكثر من مئة مليون حاج، ولا زال هناك ارتفاع في الاستهلاك، وتكدس للنفايات، وحاجة لتعزيز أنماط الحج الأخضر، وأن نقصد هذه الشعيرة على ضوء استحقاقات الكوكب .. إن الحج فرصة لغرس وعي مستدام متجذر في التديّن.

أما شعيرة الأضحية والهَدي، فهي ذروة التعبير عن العبودية والامتثال، لكنها أيضًا لحظة فارقة لإحياء قيم التكافل والاستدامة الاجتماعية، فالأضحية ليست ترفًا موسميًا ولا مناسبة للتباهي، بل هي \”قربان\” خالص يُذبح بقصد الإحسان، ويوزّع ليحقق توازنًا غذائيًا في مجتمعات تعاني من الفقر والعوز.

في فلسفة الأضحى، يتكامل البعد الروحي مع البعد التنموي، إذ يتحول اللحم إلى وسيلة لسدّ الحاجات وتقليل الفجوات، وتحقيق العدالة الغذائية. وإن أحسنا تنظيمها، فإن منظومة الأضاحي يمكن أن تصبح رافعة للأمن الغذائي، ودعامة للاستثمار المجتمعي عبر سلاسل لوجستية مسؤولة وشفافة.

قد تبدو التنمية المستدامة بمضامينها الثلاثة –الاقتصادية، والاجتماعية، والبيئية– ليست غريبة في مجملها عن روح الإسلام، بل تنبع من صلب عقيدته، ليست فقط توحيدًا للربوبية، بل أيضًا توحيدًا للوجهة نحو خير الإنسان، وكرامة المجتمع، وسلامة الأرض.

إن الحج والأضحى يُعيدان رسم العلاقة بين الإنسان ومحيطه، من منطلق عبودي لا استغلالي، وهنا يكمن جوهر الاستدامة في أن يعيش الإنسان في الأرض بإحسان، ويستهلك باتزان، ويُنتج بعطاء، ويعبد الله بحرية مسؤولة، إن الحج والأضحى ليسا مجرد لحظتين في التقويم، بل نافذتان نطلّ منهما على المستقبل لعالم يقوم على التوحيد لا التشظي، وعلى الكفاف لا الترف، وعلى التضامن لا الأنانية.. شعائرنا تقوم على نور من هذه البصيرة، نسأل المولى تعالى أن نكون من الذين يجمعون بين الإيمان والإحسان، وبين العبادة والإعمار وكل عام وأنتم بخير .

إتصل بي

conatct@sami-aladwani.com

النشرة البريدية