التنمية المستدامة والشريعة الإسلامية: توافقٌ أم تناقضٌ؟

دور جدل هادئ أحيانًا بين عدد من المشتغلين في قضايا التنمية المستدامة وبعض الذين ينتسبون إلى دوائر الفقه والفتوى حول توافق المنظور الذي دعت إليه الأمم المتحدة بشأن التنمية المستدامة وآفاقها، وإذا ما كان هذا النهج مؤصَّلًا من الناحية الشرعية، ولديه من الآراء ما يعضده ويوافقه، أو ينقضه ويخالفه.

هذه الآراء لها وجاهتها مهما تباينت واختلفت، حتى وإن كانت مسكونة بهواجسها ومواقفها المسبقة من منظومات الأمم المتحدة، سواء كان ذلك على أصل نهجها أو قادتها، أو ربما على أداء مؤسساتها التابعة. فلهذه المنظومة آلية مراجعة وتقييم دائمة التطور والتحسن، وتستفيد من الدروس والنقد الموجَّه إليها أو إلى أدواتها.

جاءت مقاصد الشريعة الإسلامية لحفظ الضرورات الخمس (النفس، الدين، المال، العرض، العقل)، وجاءت أهداف التنمية المستدامة في مجملها محققةً لهذه المقاصد، من القضاء على الفقر والجوع، انتهاءً بإشاعة السلام والشراكة الإنسانية، وما بينهما من اعتناءٍ بالعقل في هدف التعليم الرابع، ورعايةٍ للمال في الهدف الثامن، وصولًا إلى مواجهة العنف والتطرف في الهدف السادس عشر.

وكما أن الشريعة الإسلامية اتسمت بالوسطية والاعتدال كونها ربانية المصدر، جاءت التنمية المستدامة كجهد بشري بلغه العالم بعد عقود من التواصل والتعاضد، حيث يُعدُّ أوسع اتفاق إنساني على قيم تجمع الطيف البشري كافة، وهو ما يتوافق مع أصل قرآني ورد في كتاب الله تعالى: \”وتعاونوا على البر والتقوى\” (المائدة: 2). حيث جاء اللفظ \”تعاونوا\” بصيغة الجمع، ولم يتم تحديد الأطراف التي يمكن التعاون معها، مما يدل على شمولية التعاون في \”البر\”، وهو اسم جامع لكل خير. فكما أن التعاون يشمل الإنسان، فقد يتجاوزه إلى البيئة والكائنات الأخرى، تحقيقًا للمقاصد الكلية في الشريعة الإسلامية.

يبقى أن نؤكد أن مجمل الأهداف والغايات التي جاءت بها التنمية المستدامة ليس فيها ما يمكن أن يؤاخذ من الناحية الشرعية، إلا في مؤشريْن اثنين تناولهما الهدف الخامس في بندين: العلاقة خارج الزواج والمثلية، وهي أشكال من العلاقات التي تخالف الأحكام القطعية في الشريعة الإسلامية والأديان السماوية الأخرى. وما سوى ذلك يمثل مساحاتٍ للإثراء، وفرصًا للاستثمار، وقصص نجاح يمكن أن نستلهمها لإصلاح واقعنا وتحسين بيئتنا الإنمائية. والحكمة، كما يؤكد النبي المصطفى ﷺ: \”ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق الناس بها\”.

لقد نجحت العديد من الحكومات والمؤسسات العامة والخاصة، على مر السنوات الماضية، في تقديم نموذج صالح للاقتداء في مواءمة رؤاها المستمدة من سياقها الثقافي والاجتماعي مع متطلبات التنمية المستدامة، وهو تميز يمكن البناء عليه والاستفادة من نهجه وممارساته الإيجابية.

إتصل بي

conatct@sami-aladwani.com

النشرة البريدية