أحاول هذه المرة في مقالي الرمضاني الرابع والذي يأتي تتويجاً لسلسلة مقالات الحملة الرمضانية \”استقامة واستدامة\” التي طرحها حسابي وخرجنا منها بحصيلة \”ملهمة\” لحملاتنا القادمة وكانت خبرة سنراكم عليها للنجاحات المقبلة وهي مناسبة أن أنقل مشاعر الاعتزاز لكافة الفريق الإبداعي والمساند طوال الأسابيع الماضية الذين عملوا بتفان واجتهاد حتى أني بلغت درجة العجز عن التعبير شكراً وامتناناً أن أجاري تفاعلهم وسعيهم فلهم التحية ولكم على كل تعاون واستجابة لأطوار الحملة.
سأتطرق هذه المرة إلى \”التدين\” في أفقه الاجتماعي أناقش بعده الجمعي وشبكة العلاقات والمعاني المشتركة، وأتناول التدين والاستدامة الاجتماعية، وإذا ما كان هنالك تحيز نمطي عن كون التدين الاجتماعي دائمًا إيجابي؟ وكيف يمكن صياغة رؤية متجددة للتدين في سياق التحولات الاجتماعية.
اعتدنا أن يأتي رمضان كل عام ليعيد ضبط الإيقاع الروحي والاجتماعي للفرد والمجتمع، فيكشف عن أبعاد التدين كما تتجلى في حياة النااس اليومية. ورغم أن التدين يُنظر إليه غالبًا كمسألة فردية ترتبط بالعقيدة والعبادات، إلا أن له بعدًا اجتماعيًا جوهريًا، ينعكس في العادات والتقاليد والتفاعلات الجماعية التي تشكل ملامح الهوية الدينية للمجتمعات. في هذا السياق، تبدو هندسة التدين أداة تحليلية تساعد في فهم كيف يتفاعل الدين مع السياق الاجتماعي، وكيف يمكن لهذا التفاعل أن يُسهم في تحقيق الاستقامة والاستدامة.
لا ينحصر الدين في النصوص المقدسة أو القواعد الفقهية المجردة، بل يتجلى في \”التدين الشعبي\” الذي يُعبَّر عنه من خلال الطقوس والمناسبات الجماعية، مثل موائد الإفطار الجماعية، وتقاليد العطاء والتكافل، وأجواء التضرع والذكر التي تملأ المساجد. هذه الممارسات ليست مجرد شعائر، بل تعكس شبكة من العلاقات والقيم التي تعزز الانتماء الجماعي.
إلى جانب ذلك، يتفاعل الدين مع \”البُنى الاجتماعية\” مثل الأسرة والمجتمع المدني، حيث يشكل ركنًا أساسيًا في شبكات التضامن الاجتماعي، كما هو الحال في مؤسسات الوقف والجمعيات الخيرية التي تشهد ذروة نشاطها في رمضان. هذا البعد الاجتماعي يجعل التدين أكثر من مجرد التزام فردي، بل منظومة تساهم في صياغة القيم الجماعية وتحقيق التوازن المجتمعي.
تدفعنا هذه الرؤية إلى التفكير في العلاقة بين التدين والاستدامة. فكما أن الاستقامة تشير إلى الاتزان في المسار الأخلاقي والديني، فإن الاستدامة تتطلب اتزانًا على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والبيئي. في رمضان، تتجلى هذه الفكرة في نماذج متنوعة، من ترشيد الاستهلاك وتقليل الهدر إلى تعزيز ثقافة التكافل والتراحم، وهي سلوكيات يمكن أن تشكل أساسًا لمجتمع أكثر استقرارًا وتماسكًا.
في بعض الأحيان، قد يؤدي إلى تشكُّل أنماط غير صحية، مثل الضغوط الاجتماعية المرتبطة بالممارسات الشكلية، أو التفسيرات التي تعزز الإقصاء بدلاً من الاحتواء. هنا يأتي دور البعد \”التجديدي\” في هندسة التدين، الذي يهدف إلى تصفية الموروثات الاجتماعية من التشوهات وإعادة ربط التدين بجوهره القيمي، بحيث يكون أداة بناء لا معول هدم.
إذا كان التدين يتفاعل مع الواقع، فإن الحراك الاجتماعي يلعب دورًا محوريًا في تجديده وتوجيهه. نرى ذلك في تطور الفتاوى لتواكب القضايا العصرية، أو في تزايد المبادرات الإصلاحية التي تسعى إلى تقديم خطاب ديني أكثر انفتاحًا وتسامحًا. ومن هنا، يمكن أن يكون رمضان فرصة لمراجعة ممارسات التدين الاجتماعي، وضبطها في اتجاه يعزز قيم الاستقامة والاستدامة معًا.
ختاماً .. إن فهم التدين في أبعاده الاجتماعية لا يعني \”تمييعه\” بمعنى تذويبه أو فصله عن أصوله الروحية، بل العكس؛ إنه إدراك لحقيقة أن الدين، في جوهره، ليس مجرد نصوص تُقرأ، بل حياة تُعاش، ومجتمع يُبنى. وبينما نسعى للاستقامة في علاقتنا بالله، فإننا بحاجة أيضًا إلى استدامة في علاقتنا بالمجتمع والكون من حولنا. ومن هنا، يمكن أن يكون رمضان ليس فقط شهر الصيام والعبادة، بل أيضًا شهر التوازن والتجديد في هندسة التدين.