رمضان.. والإنسان! (٢/٢)

حاولت في المقال السابق التأكيد على أن الاستدامة لم تعد مجرد أهداف رقمية، فهي اليوم ممارسة أخلاقية رشيدة فحين نستهلك 113٪ من مواردنا المائية يتأكد لنا جميعاً أننا نواجه أزمة تقنية وخللًا في ميزان المسؤولية، وحين يعيش جيل كامل ببطالة تتجاوز 25٪ بين الشباب فالتحدي ما عاد اقتصاديًا وإنما يتجاوز ذلك إلى اعتبارات اجتماعية وقيمية، وهنا يذكر موسم رمضان المجتمعات بأن توافر الموارد لا تعني استباحتها  وأن العدالة ليست خيارًا هامشياً ، ولأن التذكير وحده لا يكفي فالمطلوب هو تحويل هذا الإدراك إلى تصميم سياسات ومؤشرات أداء والتعبير عنه من خلال تقارير متابعة.

رمضان حيث النفوس تبحث عن ملاذها في زوايا الطاعات وألوان القُربات توفر أجواءه لحظة فارقة في إحداث تعبئة اجتماعية سنوية يمكن تحويلها إلى ما أسميه “الاستدامة الموسمية ذات الأثر الممتد”أي تحويل الموسم الروحي إلى منصة لإطلاق تدخلات تستمر بعد انقضاء الشهر، سأقدم هنا نماذج يمكن أن تتبلور على صعيد الحكومات والقطاع الخاص وعلى مستوى المجتمع المدني “مؤسسات الاستدامة المجتمعية”.

على مستوى الحكومات يمكن إطلاق حملات وطنية لترشيد الغذاء والطاقة مرتبطة بمؤشرات قياس واضحة وتحفيز أدوات التمويل الاجتماعي (زكاة، أوقاف، صناديق تكافل) لتغذية برامج مكافحة الفقر بطريقة مؤسسية لا آنية، و تعزيز قواعد البيانات الاجتماعية خلال موسم التعبئة المجتمعية، وعلى مستوى القطاع الخاص يمكن تحويل المسؤولية الاجتماعية من رعاية حملات موسمية إلى استثمارات اجتماعية ذات أثر أعمق قابلة للقياس، بالإضافة إلى دعم سلاسل الإمداد الغذائية المحلية للحد من الهدر وتحسين الأمن الغذائي.

وعلى مستوى مؤسسات الاستدامة المجتمعية (جمعيات خيرية وأهلية وفرق تطوعية وفاعلين تنمويين) وكافة أشكال التعبير الإيجابية في المجتمع المدني يمكن الانتقال من توزيع الإعانات إلى تصميم حلول تمكينية مرتبطة بأسواق العمل وبناء شراكات ثلاثية (حكومة–قطاع خاص–مجتمع مدني) تعالج جذور المشكلات لا مظاهرها .. لا توجد وصفة واحدة لكل قطاع بل ستكون الأولويات تبعاً للتقديرات والاختصاصات وإن كان الطموح نحو ضم هذه الجهود لرؤية تشاركية وطنية سواء كان على صعيد المياه أو الطاقة وربما البطالة أو التعليم.. ما يجمع كل هذا الخليط إطار قيمي واحد يسعى لتحويل الشحن الرمضاني إلى رأس مال اجتماعي منظم.

في السياقات الوطنية لكل بلد يمكن استثمار قوة العمل الخيري المؤسسي والتمويل التنموي والشراكات الإقليمية في تحويل رمضان إلى منصة لتجريب حلول مبتكرة في الأمن الغذائي الذكي أو دعم مبادرات ريادة الأعمال الشبابية أو بتعزيز البيانات الاجتماعية وتسريع الاستثمار في الطاقة النظيفة، في تلك الحالة وعند ذلك الوهج التنموي يكون الشهر مختبرًا سنويًا لتصحيح المسار ولا يغدو مناسبة للاستهلاك الباذخ وغير المتزن.ختاماً .. أود التأكيد على أن تقارير “الإسكوا” لا تقول إن تحقيق أهداف التنمية المستدامة مستحيلة في منطقتنا، لكنها تؤكد أن المسار الحالي غير كافٍ وأن السياسات الماضية غير مستوفية للحد الأدنى من متطلبات تسريع وتيرة إنفاذ أهداف التنمية المستدامة ونجد في رمضان فسحة من الجيد استثمارها في سياقها وتوظيف أحد مساراتها الأبرز بوصفه لحظة إجماع اجتماعي نادرة تمنحنا مناسبة سنوية لإعادة الضبط وجعله رافدًا استراتيجيًا يعيد شحن مشروعنا التنموي أو أن يتحول إلى طاقة استهلاك عابرة ومهدرة فالتنمية المستدامة لا تُبنى فقط في غرف التخطيط، وإنما في مواسم الوعي الجماعي حين تتحول القيم إلى سياسات وتتحول المواسم إلى مسارات ممتدة نحو آفاق الاستقرار والازدهار.

إتصل بي

conatct@sami-aladwani.com

النشرة البريدية