✦ الاستدامة البيئية 24-08-2026

مرّ عام على رحيل والدي

عامٌ على أبي… 

لو كانت من عبارة تمنيت أن تصل والدي وهو في قبره فستكون “احنا بخير” .. هذا العام الذي مرّ على رحيله لا زلنا نتعلم فيه كيف نواصل تدبير شؤوننا وتعزيز تعاضدنا وصمودنا لازلنا نتعاهد بره ونتذاكر سيرته ونحيي عاداته وسننه الطيبة ونواصل الوفاء لمن صادقه في حياته.

مرّ عام على رحيل والدي، وما زلت أشعر أن الكلام الذي كان ينبغي أن أقوله له قبل أن يرحل. لم يتدفق بعد .. عام كامل مضى، وما زال في داخلي شيء لم يهدأ؛ شيء يشبه الغصة حين تتحشرج ويبقى أثرها ملموساً كلما أكلت أو عبّرت أو تنفست !

قلت يوماً لعله عتبي لنفسي فقد كنت أظن أني حاولت برّه كما ينبغي، وأن أكون قريبًا منه.. إذ تخففت من تواصلي الاجتماعي وقللت من حضوري العام وأعدت ترتيب ملفات بما يفسح لي تواجدي معه ومتابعتي شؤونه وأن أكون أنيس نهاره أو مسائه، خصوصًا في سنواته الأخيرة.. حملت معي عهدًا داخليًا بأن أكون إلى جواره ما استطعت، وأن أردّ له شيئًا من جميل عمره الذي بذله من أجلنا وأشهد بأن من إخواني من سبقني على هذا العهد وقدّم ما فاقني وزاد من خجلي تجاه شعور تقصيري.

وحين رحل اكتشفت أن الإنسان مهما أعطى من يحب سيبقى يشعر أنه كان يستطيع أن يعطي أكثر وهذه ربما واحدة من أقسى صور الفقد أن ينتهي الوقت و يبقى في القلب الكثير مما لم نجد له مساحة للتعبير .. والكثير مما كان يمكن تقديمه.

بعد رحيله وعلى مدى الخمسين أسبوعاً التي مرّت من عمر هذا العام كنت أزور قبره وكنت أقف داعياً وأترحم عليه وأحدث نفسي عنه أكثر مما أحدثه .. لم تكن زيارة القبر بالنسبة لي مجرد زيارة لفقيد .. كنت أشعر أنها امتداد لتلك الصحبة التي كان يقيني يتجدد بأنها ستنقطع برحيله .. كنت أتعاهد زيارته لأنني لم أكن مستعدًا أن أتعلم فجأة كيف يكون أبي غائبًا.

ثم جاءت أمي..كانت قد دخلت المستشفى قبل وفاة أبي بأسبوع، وبقيت هناك حتى رحيلها بعده بشهور والأشد ألمًا في هذه الحكاية أنها لم تكن تعلم أن زوجها قد سبقها إلى الرحيل حتى توفيت رحمهما الله وتغمدها بواسع عفوه.

كانت في المستشفى تصارع تعبها بينما كنت أحمل في داخلي خبرًا لم أستطع أن أحمله على قلبي بسهولة خبر رحيل أبي وأحاول في الوقت نفسه أن أكون إلى جانبها ثم رحلت أمي هي الأخرى وهكذا لم أجد نفسي أمام فقد واحد وإنما أمام بابين أُغلقا تباعًا وفي كل باب شيء من عمري، وشيء من ذاكرتي، وشيء من البيت الذي عرفت فيه معنى الأب والأم.

في ذكر الموت كان حضور الفقد هي القصة الأكثر إيلاماً وكنت أكرر على والداي وأسأل حين يتراءى .. هل نخشى الموت ؟! هو حق نعرفه يقيناً منذ أن جئنا للحياة وهو “انتقال” من دار الوجود إلى الخلود وكنت أذكرهما بأثرهما في حياتهما ورحمة الله باجتماع الأبناء والأحفاد الشيء الذي لم أتحسب له تسكين صوت التقصير في داخلي.. لكنني أدركت مع الوقت أن هذا الصوت لا يسكت ليس لأنني لم أفعل ما أستطيع وإنما لأن الإنسان مع من يحب لا يرى ما فعل إنما يرى دائمًا ما كان يتمنى أن يفعل!.

رحم الله أبي وأمي. .. أسأل نفسي أحياناً هل هذا الشعور بالتأنيب والتقصير تأديب وعقاب لنفسي أم أنه وجه آخر من وجوه الحب والبر؟! وربما كان ردي على ذاتي أن بعض الإحساس لا يحتاج إلى علاج بقدر ما يحتاج إلى أن يتحول إلى عمل فإن كان أبي قد علّمني شيئًا في حياته فإن غيابه علّمني شيئًا أهم أن البر ليس موقفًا عابرًا، ولا كلمات تقال في المناسبات، ولا صورة نضعها في ذكرى الوفاة..  البر كما عايشت تأملاته هذا العام في إحياء ذكرهما والتذكير بفضلهما وخيرهما وأن تحفظ ما أحبوه فيك وأن تواصل ما بدأوه وأن تكون صالحًا في نفسك نافعًا للناس مستقيمًا في سلوكك لأن أجمل ما يمكن أن نهديه لمن رحلوا أن يروا أثرهم فينا!.

أدركت أيضًا أن زيارة القبر ليست نهاية الصلة .. كانت بالنسبة لي بداية نوع آخر منها بالدعاء الذي لا ينقطع ورجاء الرحمة التي ندعوها لهم، والتزام الصدقة عنهما وعمل الصالح الذي نتشارك أجره معهما كان من عادات والدي تكرار عبارة في مناسباته “ثوابه لموتانا” يشارك الراحلين من آبائه وأرحامه أجر أعماله.

واليوم، بعد عام من رحيل أبي، لا أريد أن أكتب لأقول إنني تجاوزت حزني أنا لم أتجاوزه، وربما لا أريده أن يتجاوزني فبعض الأحزان ليست ضعفًا ينبغي التخلص منه، وإنما ذاكرة جميلة ينبغي أن نحسن حملها.

أبي… سامحني على كل تقصير بدر مني وكل توقع تمنيته وخارت همتي عن تلبيته .. حاولت أن أكون دكتوراً كما تمنيت في صغري واجتهدت أن أستقر في بيتي كما كنت توصيني دائماً ولم أشغلك كثيراً في تفاصيل شأني .. سامح تقصيري عن كل لحظة كنت أستطيع أن أكون فيها أقرب ولم أفعل وعن كل كلمة طيبة تأخرت عن التعبير عنها .. وعن كل شيء ظننتُ أن الوقت سيسعفني لكنه لم يسمح ولم يأذن .. لقد كشفت لي الأيام بعدك أن الوقت لا يضمن لنا شيئًا أبداً مهما اجتهدت و حاولت !.

حاولت أن أكون أنيس يومك كما كنت أجتهد وحاولت أن أوفي بالعهد الذي قطعته على نفسي لكنني اليوم استوعبت أكثر أن الوفاء الحقيقي لا ينتهي عند وداع القبر.. سأظل أذكرك.. وسأظل أترحم عليك.. وسأحاول أن أكون الابن الذي يليق بما غرسته في حياته.

أما أمي التي رحلت دون أن تعرف أن رفيق عمرها كان قد سبقها إلى الرحيل فلا أملك لها إلا أن أقول جمعكما الله في رحمته كما جمعكما في الدنيا، وأبدلكما دارًا خيرًا من داركما، وحياةً خيرًا من حياتكما.

عام مضى يا أبي… وما زلت أزورك.. لكنني اليوم لا أزور قبرك فقط لأترحم عليك أزوره لأتذكر من كنتَ، ومن كنتُ أنا حين كنتَ بيننا ولأتعلم من جديد أن الموت لا يأخذ كل شيء، إنه يأخذ الجسد، لكنه لا يستطيع أن يأخذ ما أبقيت من ذكر وذاكرة ولا يستطيع أن يأخذ دعواتي الموصولة ولا يستطيع أن يمحو أبًا عاش في ابنه وأمًا بقي حنانها في قلبه.

رحمك الله يا أبي، ورحم أمي وإن كان لي من أمنية بعد عام من رحيلكما، فهي ألا يكون هذا الحزن مجرد غصة في قلبي، ولوعة في صدري .. عهدي أن يتحول إلى أمانة في سلوكي وبرًا في عملي وخيرًا يمتد منكما إليّ ومني إلى من حولي فربما يكون أجمل وفاء للراحلين… أن نواصل الحياة كما كانوا يحبون أن نعيشها.

س

سامي العدواني

خبير في التنمية المستدامة (SDGs)

f x in wa

إتصل بي

conatct@sami-aladwani.com

النشرة البريدية