الاستقامة والاستدامة في ممارسة الصيام

سألني شخص ذات مرة بعفوية و \”بساطة\” هل نويت صيام رمضان ؟! .. كلّه ؟! .. وهل عقدت العزم على ذلك ؟! لوهلة كانت إجاباتي تشي بالموافقة والاستهجان معاً إذ كيف يسألني عن مُسلمات بديهية في سياق واقعنا .. لكن سؤاله حمل في طياته معنى أعمق من سطحية فهمي وسذاجة ردي وانطباعي !

ذكرني بمقولة لأحد العارفين يقول فيها: \”هو لجام المتَّقين، وجُنَّة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقرَّبين، وهو لربِّ العالمين من بين سائرالأعمال..\” بدأ يتدفق تعبيراً وتظهيراً لحقيقة أن تكون صائماً وأن تتخلى عن ما تحب وترغب امتثالاً والتزاماً بمحبة ما هو أسمى وأغلى، ألا تنساق للذة على حساب الفطرة وألا تستسلم للشهوة مهما بدت مباحة فضلاً عن أن تكون محذورة أو محرمة!.

يحمل رمضان في طياته روحانية متجددة وفرص متعددة لتصفية النفس وتوجيهها نحو الاستقامة، إنه الشهر الذي تتجلى فيه الرحمة والمغفرة، حيث تتحفز العزائم وتتوهج الأرواح في محراب الإيمان. لكن رمضان ليس فقط شهر العبادات، بل هو مدرسة شاملة تمدّنا بدروس في الاستدامة، سواء على المستوى الروحي أو الاجتماعي و البيئي.

✨الاستقامة..تهذيب المسار

رمضان رحلة داخلية مع الذات نحو الاستقامة، حيث يُدرّب الإنسان نفسه على ضبط شهواته والتحكم في رغباته. إنه فرصة للتأمل في مسيرة الحياة، تمامًا كما يصف أحد المفكرين ذلك الحائر الواقف على مفترق الطرق، يبحث عن نور يهديه سواء السبيل. في هذا الشهر، نجد في الصيام ما يساعدنا على تهذيب أنفسنا وتطهير أرواحنا، فنراجع ماضينا، ونصحح أخطاءنا، ونستدرك ما فاتنا من فرص التقرب إلى الله.

إن الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو تهذيب للجوارح وصقلٌ للقلب، حيث نمارس الصبر ونرتقي بإرادتنا، مستشعرين قول الله تعالى: \”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ\” (البقرة: 183). فالصيام بوابة التقوى، والتقوى جوهر الاستقامة، والاستقامة طريق الفلاح في حياتنا ومآلاتنا.

✨الاستدامة: تراحم وتوازن

دروس رمضان لا تعلمنا الاستقامة فقط، بل ترسّخ فينا مفهوم الاستدامة بجميع أبعادها. فمن ناحية، هو شهر الاستهلاك الرشيد، حيث ندرك أن القليل يكفي، وأن الإسراف يتنافى مع روح العبادة. كما أنه يعلمنا كيف نعيش بتوازن، فنوازن بين حاجات الجسد وحاجات الروح، بين العمل والعبادة، بين الوعي التنموي والسعي الدنيوي.

ومن الناحية الاجتماعية، فإن رمضان مدرسة في الاستدامة المجتمعية، حيث تتجلى قيم التكافل والعطاء، فتتحرك النفوس إلى الإنفاق، وتزداد الصدقات، ويجد الفقراء والمحتاجون يدًا حانية تمتد إليهم. إن التراحم في رمضان ليس مجرد شعور مؤقت، بل هو أساس متين ينبغي أن يُبنى عليه مجتمع مستدام، يشعر فيه كل فرد بمسؤوليته تجاه الآخرين.

أما على المستوى البيئي، فإن رمضان يُذكّرنا بقيمة الموارد التي أنعم الله بها علينا، فمع قلة الطعام والماء خلال ساعات الصيام، نبدأ في تقدير هذه النعم، وندرك أهمية الحفاظ عليها وعدم إهدارها. كما أن تقليل الاستهلاك خلال الشهر الكريم يعكس جانبًا من الوعي البيئي، حيث يُقلل من هدر الطعام ويُعزز ثقافة الاعتدال.

✨ رمضان..\”بانوراما\” الحياة

حين نقف على أعتاب رمضان، نكون كالمسافر الذي يقف عند مفترق الطرق، ينظر إلى الوراء متأملًا رحلته الماضية، وينظر إلى الأمام متفكرًا فيما تبقى من الطريق، أو كالواقف على رأس جبل ينظر إلى المدى في كل اتجاه .. إنها لحظة للمحاسبة والاستعداد، لحظة نراجع فيها أنفسنا ونرسم ملامح مستقبلنا القريب بروح الأمل وعزم العمل.

فلنجعل من هذا الشهر فرصة للاستقامة على الطريق، والاستدامة في الخير، حتى لا يكون رمضان مجرد محطة عابرة، بل بداية جديدة لحياة أكثر نقاءً، وعلاقات أكثر رحمة، وعالم أكثر توازنًا. \”يا ابن آدم، أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة.\”

إتصل بي

conatct@sami-aladwani.com

النشرة البريدية