التجويع والصمت!

د. سامي محمد العدواني

لم يعد الجوع في زمن الحروب مجرد نتيجة تفرزها استحقاقات المواجهة، بل أصبح سلاحًا ممنهجًا، يُستخدم بوعي تام، وتُدار عملياته بمنطق باردٍ باهت، يملأك الذهول وأنت ترى هذا الإمعان في الطغيان، والتعري الفاضح من قوانين الحرب، فضلًا عن أخلاقياتها.

في غزة… لا يُستهدف الناس بالقنابل فقط، بل بالمجاعة، حين يُمنع الغذاء، وتُدمّر الأجواء، وتُقصف المخابز، وتُغلق المعابر، وتُمنع الإعانات والمساعدات… هذه ليست صُدفًا، إنما سياسة حصار محكمة تُمارس منذ شهور في وضح النهار، وتحت سمع العالم وبصره.

منذ 2 مارس 2025، تم حظر دخول أي مساعدات إلى غزة، ما أدى إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة تصل إلى 1400٪، ونفاد مخزون الخبز، حيث توقفت مئات المطابخ التي كانت تقدم الطعام الساخن لملايين الناس. كذلك، سجّلت مراصد «أطباء العالم» معدلاتٍ عالية جدًا من سوء التغذية؛ ففي بعض العيادات بلغت نسبة الأطفال المصابين بسوء التغذية حوالي 25٪ في أبريل، بينما عانى نحو 19٪ من النساء الحوامل والمرضعات من سوء تغذية حاد.

وثّقت تقارير المنظمات الإغاثية أن الأطفال والمسنين يموتون جوعًا؛ ففي يوليو وحده، سُجّلت 46 وفاة مرتبطة بالجوع، ومنذ بدء التصعيد بعد أكتوبر 2023، توفي أكثر من 80 طفلًا بسبب سوء التغذية، ما يرفع إجمالي الوفيات الناجمة عن الجوع إلى 111 شخصًا.

وصفت الأمم المتحدة الوضع بأنه \”ما وراء الكلمات\”، مع وفاة العشرات أثناء محاولتهم الوصول إلى مراكز المساعدات، بسبب إطلاق النار أو الازدحام عند أبواب التوزيع.

أعلنت \”اليونيسف\” أن أكثر من نصف أطفال غزة يعانون من سوء تغذية حاد. لكن هذه الإحصاءات ما عادت تصرخ بما يكفي، ولا عادت تنقل لنا وجع أم تُرضع طفلها ماءً، ولا قهر أبٍ يطهو الحصى ليخدع صغاره بالجوع.

هنا، التجويع لا يضعف فقط الأجساد، بل يطعن الكرامة في خاصرتها، ويسحق الروح في مهدها.

والأخطر من ذلك أن التجويع لا يحتاج إلى قذائف… على العالم أن يتحرك الآن: بفتح المعابر، والسماح بدخول المساعدات، وحماية المراكز الطبية والإنسانية. حتى وإن تحقق الهدوء السياسي، فإن أغلى ما في النهاية هو الإنسان… واستعادة كرامته.

إن من يراهن على كسر إرادة الغزّيين عبر التجويع، لا يعرف أن الشعوب التي ذاقت الجوع لا تنكسر… بل تُخلّد فيها ذاكرة لا تُنسى، وكرامة لا تُشترى، وإرادة لا تُقهر.

نحن اليوم أمام لحظة اختبار أخلاقي عالمي.

أن نرى أطفال غزة يتضوّرون جوعًا ولا نتحرك، فهذه ليست مسألة سياسة، بل انهيار في تعريفنا للإنسانية.

كل صوت، كل مشاركة، كل تبرّع، كل كلمة… هي خيط نور في عتمة هذا الحصار.

التجويع جريمة، لكن الصمت جريمة أعظم!

إتصل بي

conatct@sami-aladwani.com

النشرة البريدية