مثل التعليم الجيد الركيزة الأساسية لأي نهضة حقيقية تسعى إليها الأمم، وهو المفتاح الأبرز لتحقيق التنمية المستدامة بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فكلما تعاظم الاستثمار في الإنسان، اتسع أفق التنمية، وتوطدت مقومات الاستقرار. وتشير الدراسات العالمية إلى أن ما يقارب 74% من الناتج الاقتصادي خلال العقود الخمسة الماضية كان ثمرة مباشرة للاستثمار في رأس المال البشري المبدع، بينما لم تتجاوز مساهمة النفط والغاز 5%. هذه المفارقة الصارخة تبرز أن المستقبل يصنع بالعقول لا بالموارد الناضبة.
التحدي اليوم لم يعد محصورًا في زيادة معدلات الالتحاق بالتعليم أو تقليص نسب الأمية، إنما في الانتقال نحو التعلم المستدام الذي يرافق الفرد طوال حياته. في عالم يتغير بوتيرة متسارعة، لا تكفي الشهادات وحدها، بل يصبح لزامًا إعداد متعلم قادر على التفكير النقدي، وحل المشكلات، والتعامل مع الأزمات، والتكيف مع بيئة عمل متجددة. هذه المهارات لم تعد ترفًا معرفيًا، لكنه اليوم شرطًا للبقاء في القرن الحادي والعشرين.
في الفضاء الخليجي والعربي، تتضح الفجوة بين الطموحات والرؤى الاستراتيجية من جهة، وبين الممارسات والنتائج من جهة أخرى. صحيح أن كثيرًا من دول المنطقة استثمرت مليارات في البنية التحتية التعليمية، وبنت جامعات حديثة، ووفرت فرص ابتعاث واسعة، لكن مؤشرات الجودة والابتكار لا تزال دون المستوى المطلوب، كما أن نظم التعليم كثيرًا ما تركز على التلقين أكثر من التركيز على الإبداع والابتكار.
إن إصلاح التعليم العربي يتطلب مقاربة جديدة قوامها ثلاث ركائز:
1. تأهيل المعلم: فلا تعليم بلا معلم مؤهل، والتأهيل هنا لا يقف عند التخرج، بل يستمر عبر برامج تدريب مهني ومعايير دولية واضحة.
2. حوكمة المؤسسات التعليمية: عبر مجالس وهيئات مستقلة تتولى اعتماد الجامعات والمدارس، وتضمن معايير الجودة بعيدًا عن التدخلات البيروقراطية والسياسية.
3. ثقافة مجتمعية داعمة: فالمجتمع الذي يرفع مكانة التعليم والمعلم، ويجعل الجودة أولوية غير قابلة للمساومة، هو الذي يضمن استدامة الإصلاحات.
المنطقة العربية ليست غريبة عن لحظات التألق التعليمي؛ فقد قادت حركات نهضة معرفية في مراحل مختلفة من تاريخها، وأثبتت أن العقول العربية قادرة على المنافسة عالميًا حين تتوفر البيئة الممكنة. لكن التحدي اليوم هو الانتقال من سياسات مؤقتة وردود فعل ظرفية إلى إصلاح مؤسسي ممنهج يستند إلى رؤية طويلة المدى، ويترجم الطموحات إلى نتائج ملموسة.
إن معركة التعليم في الخليج والعالم العربي ليست معركة مناهج وامتحانات فحسب، بل معركة هوية وتنمية. هي معركة لحماية رأس المال البشري من الهدر، وبناء جيل يملك أدوات الحاضر وجرأة المستقبل. فبدون تعليم نوعي، لن نستطيع تنويع اقتصاداتنا، ولن ننجح في مواجهة الأزمات العالمية، ولن نضمن لأجيالنا القادمة موقعًا لائقًا بين الأمم.
ختامًا، يبقى السؤال المطروح: هل نملك الإرادة لنترجم هذه الرؤية إلى فعل، أم نظل ندور في حلقة وعود لا تكتمل؟ إن التاريخ يعلمنا أن الأمم لا تنهض إلا حين تجعل التعليم أولوية فوق كل الأولويات.
بقلم: د.سامي محمد العدواني