التنمية المستدامة.. وقمة حافة الهاوية!

للوهلة الأولى يبدو عنوان مقالي هذه المرة خارجاً عن المألوف ومغرقاً في الغموض والالتباس ! ، حاولت إعادة صياغته مرات ومرات حتى استقر على هذا النص، ومع هذا لازلت متأرجحاً في مفرداته ودلالاته عسى أن تفي سطوري اللاحقة شرح ما حاولت اختزاله في العنوان.

جاءت الأمم المتحدة بمؤسساتها ومظلاتها لتكون حامية للسلم الدولي ومعبرة عن توازن القوى التي أسفرت عنها الحرب العالمية الأولى والثانية فتشكلت على إثره هياكلها وترسخت الكثير من مضامين أدبياتها تأثراً أو تأثيراً بالسياقات الثقافية والمنظور الذي حاول \”المنتصرون\” تمريره على الأجندة الدولية فكانت لدول الشمال الحظوة والحضور في شرايين هذه المؤسسات مع تمثيل محدود لدول الجنوب التي كانت تخرج للتو من ربق احتلالها وتحدياتها.

بعد مرور العقود السبعة من عمر الأمم المتحدة تنامت أصوات تلفت الأنظار إلى هذا الاختلال، وأن التحولات الدولية باتت تفرض معادلات مغايرة لما كانت عليه الظروف حين تشكلت منظومة الأمم المتحدة، هذه الأصوات كانت شعبية قادها نشطاء دوليون استطاعت طرق الأسئلة الأكثر سخونة على قادة الدول في مؤتمراتهم العالمية والتذكير بما آلت إليه الاختلالات على قضايا الفقر والهجرة والأمن والإنهاك المناخي والديون وتوحش رأس المال على الرغم من حصيلة التقدم التي قطع العالم أشواطاً لا يمكن إنكارها أو التغاضي عن مكتسباتها للبشرية.

كان من بين تلك الأصوات دول الجنوب -كما يطلق عليها – بدأت تشعر بالتململ من تلك الإملاءات التي كانت تعتبرها غير مراعية لسياقها الاجتماعي أو الثقافي وتجامل الدول \”المحتكرة\” للقرار الدولي على حساب مصالحها وأولوياتها خاصة تلك التي تستحوذ على مقدراتها ومناجم خيراتها، وبعضها بدأ يعيد تشكيل قواه ويحاول إعادة طرح قضاياه على أجندة المجتمع الدولي، فمن طور التشكل الإقليمي إلى الدولي حتى باتت أجندتهم ضاغطة ويتنامى تأثيرها، في أمريكا اللاتينية على سبيل المثال وإفريقيا ودول مجلس التعاون والبريكس+ وقمة شنغهاي ودول الآسيان وغيرها حتى تركيا عضو الناتو جهر رئيسها مرات بعبارته الشهيرة \”العالم أكبر من خمسة\”.

جاءت الأحداث الأخيرة في أوكرانيا والحرب في المنطقة العربية في غزة ولبنان وما عبرت عنه من عجز المنظومة الدولية على فرض الأمن والسلم الدوليين ولا حتى احترام قواعدها في الاشتباك كما نص عليه القانون الدولي ولا منطقها في التنمية المستدامة أو حقوق الإنسان وبدا أن العالم يخرج من اتزانه ويتدحرج إلى أزمات أكثر إثخاناً وهو للتو قد خرج من جائحة عالمية لازالت آثارها حاضرة، ويكتوي بمرارة الفقر والفوارق والتطرف والتصحر والعنف وتحديات ليس لها سقف!.

كل ذلك وأكثر استدعى من الأمين العام أنطونيو غوتيرش أن يُعلن عن الدعوة إلى منتدى رفيع المستوى في سبتمبر 2024 وعلى مدى الأشهر التسعة التي سبقت عقد القمة التي عنون لها \”المستقبل الذي نريد\” خاضت اللجان التحضيرية مشاورات واسعة على صعيد الأقاليم وعبر وكالات وهيئات الأمم المتحدة، حوارات ومفاوضات تبلورت في ثلاث وثائق.

 أولها ميثاق المستقبل تناولت خمسة محاور أساسية  (التنمية المستدامة وتمويل التنمية، السلام والأمن الدوليان، العلم والتكنولوجيا والابتكار والتعاون الرقمي، الشباب والأجيال المقبلة، الحوكمة العالمية) أما الوثيقة الثانية فكانت عن (التعاهد الرقمي العالمي) ووثيقة ثالثة عن (إعلان الأجيال المقبلة) جاء في ديباجتها \”نعترف بأننا نتعلم من إنجازاتنا وإخفاقاتنا الماضية وما ترتب عليها من نتائج لكي نضمن عالماً أكثر استدامة وإنصافاً للأجيال الحالية والمقبلة\” ومن يحاول القراءة في ثنايا العبارة يجد في طيها إقراراً بحتمية الاستجابة للتحولات والإصلاحات الواجبة حتى لا يجري تفريغ المنظمة العريقة من معنى وجودها والامتثال لتأثيرها.

تضمنت كل وثيقة من هذه الوثائق التي رشحت عن هذا الإجماع العالمي مقدمة ومبادئ توجيهية والتزامات وإجراءات عملية حيث حوت الوثيقة الأولى ٥٦ إجراءاً لتسريع وتيرة التنمية المستدامة وما تم اعتباره لاحقاً مساراً لإصلاح منظومات الأمم المتحدة أما وثيقة \”التعاهد الرقمي\” فقد جاءت بنوده في ٧٤ بنداً شملتهم خمسة مستهدفات رئيسية، و ٣٢ بنداً في إعلان \”الأجيال القادمة\”، جديرة بنظر الخبراء والمعنيين وصناع السياسات وقادة التخطيط وراسمي الاستراتيجيات يمكن العمل في ضوء الموجهات الواردة فيها.

جوهر \”قمة المستقبل\” التي صادق على مخرجاتها المجتمعون من كل الدول المشاركة على التأكيد على ركائز الأمم المتحدة الثلاثة  (التنمية المستدامة، والسلام والأمن، وحقوق الإنسان) وهي كما نصت الوثيقة \”متساوية في الأهمية ومترابطة ويعزز بعضها بعضاً\” أي أنه لن تتحقق ركيزة دون باقي الركيزتين، وصولاً لأن يتحرر الجميع من \”الخوف والعوز\” حماية للأجيال الحالية والمقبلة في عالم عادل وسلام مستدام نتحول فيه من الأحادية القطبية في قيادة المشهد الأممي إلى التعددية الأرحب حيث تكون مساحة لأن تعبر المنظومات الدولية عن خصوصياتها دون تهميش لأولوياتها ومن غير استفراد أو \”استبداد\” بالقرار الدولي يأخذنا بعيداً عن حيز العدالة واحترام إرادة الشعوب شركاء هذا الكوكب لذلك كان تجسيد رئيس الجمعية العامة في كلمته لهذه القمة حين قال \”نحن هنا لنعيد التعددية من الأحادية.. لنعيدها من حافة الهاوية\”!

الدكتور سامي العدواني

إتصل بي

conatct@sami-aladwani.com

النشرة البريدية