حين همس الراحل سمو الشيخ صباح الأحمد في أذن بان كي مون – الأمين العام السابق للأمم المتحدة – وأكد دعمه واحتضانه لإنشاء مركز للمواطنة العالمية في نهاية العام ٢٠١٧ بهدف دعم خطة التنمية المستدامة للأمم المتحدة وتمكين المرأة والشباب في المجتمعات كان مدركاً لتلك الأبعاد التي يحملها والدور الذي يعنيه في عصر تزايدت فيه التحديات العالمية كالنزعات والصراعات، والفقر والفوارق، والتطرف والعنف، لذلك كانت مبادرة المواطنة العالمية ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة، وعزز المفهوم الشعور بالمسؤولية تجاه الإنسانية بأكملها، وكان تنادياً عالمياً لكافة الفاعلين إلى الحراك الإيجابي مع قضايا الكوكب والعمل على إيجاد حلول مشتركة تضمن استدامة الموارد وتحقيق العدالة الاجتماعية.
تحول المفهوم من المجهول إلى المعلوم، وعقد مركز بان كي مون للمواطنة العالمية أول مؤتمراته في الكويت وأدار حينها في العام ٢٠١٩ سعادة السفير ناصر الصبيح أولى نقاشاته المفتوحة مع الرأي العام العالمي من قاعة مركز جابر الثقافي، كنت أتساءل حينها مع بعض الزملاء وأقول كيف لهذا المفهوم أن يأخذ صداه ويتحول إلى موجة عالمية و\”التنمية المستدامة\” قطعت أشواطاً من التوعية والتنوير ولا زال النهج غامضاً مبهماً في منطقتنا؟!، وما إن توالت السنوات حتى تبلورت وتشكلت المحددات حين بلغت أهداف التنمية المستدامة (SDGs) أوجها يوم أن أعلنتها الأمم المتحدة عام 2015 خطة طموحة تشمل 17 هدفًا لتحقيقها بحلول عام 2030.
أحد تجليات الترابط بين المواطنة العالمية والتنمية المستدامة تتمثل في الهدف الرابع (التعليم الجيد) ، إذ تؤكد مقاصده وغاياته على أهمية التعليم في تعزيز الوعي العالمي وتمكين الأفراد من مواجهة التحديات العالمية. حيث تشير التقارير الأممية إلى أن أكثر من 1.2 مليار شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا يمثلون القوة الأساسية لتحقيق هذه الأهداف، وبناء على نشريات منظمة اليونسكو، ترى أن 70% من الشباب الذين يتلقون تعليمًا عالميًا شاملاً يعبرون عن استعدادهم للمشاركة في أنشطة تدعم أهداف التنمية المستدامة.
وحتماً هناك أمثلة عملية في دعم المواطنة العالمية والتنمية المستدامة تبرز في العديد من المبادرات حول العالم، لعلي أشارك معكم مبادرة \”مدارس صديقة للبيئة\” في كندا والتي أصبحت اليوم صرعة عالمية تحت عنوان \”الخضرنة\”، حيث تهدف إلى غرس الوعي البيئي بين الطلاب من خلال مشاريع إعادة التدوير وترشيد استهلاك الطاقة، وهو ما يساهم ويساعد في تحقيق الهدف 13 (العمل المناخي)، وعلى نسقها كانت مبادرة \”إعادة التدوير من أجل التعليم\” في الهند ، التي توفر فرص تعليمية للأطفال من العائلات الفقيرة عن طريق تدوير النفايات وتحويلها إلى مصادر دخل مستدامة، وفي هذه المبادرة يظهر دور المؤسسات غير الربحية في تعزيز المشاريع المبتكرة حيث يحق للبعض اعتبار وجود مثل هذه المؤسسات تعبيراً شاخصاً عن المواطنة الإيجابية الفاعلة التي تتسم بصبغتها العالمية من خلال تعزيز التنمية المستدامة.
ربما من بين الأمثلة الشائعة والقريبة إلى أجوائي كوني أتولى دفة إحدى المؤسسات الناشئة المعنية في شأن التطوع وقادة التنمية المستدامة .. برنامج الأمم المتحدة للعمل التطوعي (UNV)، الذي يتيح الفرصة لأكثر من 8,000 متطوع سنويًا للمشاركة في قيادة مشاريع تنموية في مجالات مثل الصحة والتعليم وحماية البيئة.
ولا يغيب عنا دور المسؤولية المجتمعية في تحقيق المواطنة العالمية حيث تلعب المسؤولية المجتمعية للمؤسسات دورًا محوريًا في تحويل قيم المواطنة العالمية إلى ممارسات عملية، على سبيل المثال شركة مثل شركة \”باتاغونيا\” (Patagonia) في قطاع الملابس تتبنى نموذجًا رياديًا في الحفاظ على البيئة من خلال إنتاج أزياء مستدامة ودعم مشاريع حماية الحياة البرية، وهو ما يعزز من تحقيق الهدف 12 (الاستهلاك والإنتاج المسؤولان) ، وربما في المنطقة العربية نلمس سخاء الدعم الذي تقدمه مؤسسة مثل مؤسسة الملك خالد من خلال برامج تمكين الشباب وبناء قدراتهم في مجالات الابتكار الاجتماعي وريادة الأعمال، وهو ما يحفز وتيرة التسارع لتحقيق أهداف التنمية المستدامة التي تشهد تأخراً في تحقيق أجندتها بعد تجاوز نصف مدتها نحو العام 2030.
ختاماً .. تشير الإحصاءات إلى أن 55% من الشركات العالمية أصبحت تدمج أهداف التنمية المستدامة ضمن استراتيجياتها، مما يعكس تحولًا إيجابيًا نحو بناء مستقبل مستدام، وكم أستذكر بالعرفان جهود كوريا الجنوبية وفخامة الرئيس الأسبق للنمسا هاينز فيشر على دعمهم المبادرة وأتمنى تبني قيم المواطنة العالمية كخطوة أساسية نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة. وعلى الرغم أن الطريق لا يزال طويلًا، لكن المشاركة الفاعلة والالتزام الجماعي وتكامل الجهود بين الأفراد والمؤسسات، والحكومات سيضمن تقدمًا حقيقيًا نحو عالم أكثر عدالة واستدامة.