بدعوة كريمة من المخضرم البيئي والرياضي العريق د.سيف الحجري من دولة الشقيقة قطر دعاني لخيمته الرمضانية الخضراء التي مر عليها 19 عاماً تشع بالوعي وتنبض بالسعي وكانت خياراتي محدودة في الأيام التي طلب مني هذا العام إدارة إحدى الأمسيات اليومين طوال شهر رمضان المبارك، وبعد أن فوضتهم في الاختيار بين باقة الموضوعات وقع اختيارهم على ليلة الأمن السيبراني!.
جل من كان حاضراً من ضيوف ومتحدثين ناهزوا تسعة متحدثين، ولأني أمام ورطة \”التخصص\” حاولت النظر إلى الموضوع محل التداول من مقاربة الاستدامة التي أعتبرها \” النظارة \” التي أرى منها الأشياء ربطاً ومواءمة مع أهداف التنمية المستدامة الواردة في وثيقة تحويل عالمنا التي أنتجتها الأمم المتحدة في العام2015 وصادقت عليها دول العالم لتكون أطواق الكوكب حتى العام 2030.
كانت مقدمتي تتطرق إلى التأكيد على أن هذا اللقاء الفكري الذي لا يقتصر على التقنية وحدها، بل يمتد إلى مستقبلنا الرقمي وأمنه واستدامته. في عصرٍ تتسارع فيه البيانات كما تتسارع نبضات الحياة، وأوضحت أن الأمن السيبراني ليس مجرد جدارٍ يحمي، بل هي منظومةً متكاملة تضمن استدامة الثقة، وسلامة المعاملات، واستقرار التنمية الرقمية، وأن الحديث عن سرية المعلومات وسلامة المعاملات الرقمية لم يعد ترفًا أكاديميًا، بل هو حجر الزاوية في بناء اقتصاد رقمي مزدهر ومجتمعِ ينشد الأمن والأمان في ظل تهديدات تعصف في المنطقة لا يملك أحد تقدير المآلات في ظل التأرجح وحالة عدم اليقين التي تسود في الواقع، لذلك الاستجابة الطارئة للحوادث السيبرانية ليست مجرد إطفاء للحرائق الرقمية، بل هي فن التحصين والتكيف، حيث تُصنع من كل أزمةٍ فرصةٌ لتعزيز ما أسميه \”المناعة\” السيبرانية.
على الرغم أن الأمم تتشارك في حماية بيئتها الطبيعية من التلوث، عليها كذلك أن تتشارك في حماية فضائها الرقمي من التهديدات العابرة للحدود، وفي عالمٍ تتجاوز فيه الهجمات حدود الدول، فإن التعاون الدولي في مكافحة الجرائم السيبرانية ليس خيارًا بل ضرورة، ويبقى التعليم والتدريب والتوعية الركيزة الأساس في أي منظومة مستدامة للأمن السيبراني، إذ لا يكفي أن نبني أنظمةً محصنة، بل ينبغي أن نبني عقولًا مدركة، ووعيًا رقميًا يُحسن التصرف قبل وقوع المخاطر، قد نبني أعظم القلاع الرقمية، لكنها لن تصمد إن لم يكن من يحرسها مدربًا على قراءة المخاطر قبل وقوعها.. فالأمن السيبراني لا تحميه الجدران، بل العقول الواعية.
إننا جيل اليوم أمام مسؤولية كبرى؛ مسؤولية تحقيق التوازن بين الانفتاح الرقمي والأمان السيبراني، بين الابتكار والتصدي للمخاطر، وبين حرية المعلومات وحمايتها. نتطلع إلى حوارٍ ثري يثري الفكر، ويضيء الطريق حتى نرسم معًا ملامح عالمٍ رقميٍ أكثر أمانًا واستدامة.
إن الماء هو سر الحياة، والمعلومة هي اليوم شريان العالم الرقمي. وأي نهرٍ بلا سدود، معرضٌ للانهيار.. الأمن السيبراني هو تلك السدود التي تحمي تدفق البيانات دون أن تعيق انسيابها، في الفضاء السيبراني، لا تعترف التهديدات بالحدود، فلا بد أن يقابلها أمنٌ عابرٌ للحدود.. وكما تتعاون الدول في مواجهة الكوارث الطبيعية، فإن عليها أن تتكاتف لمواجهة \”العواصف\” الرقمية،
أخير .. أود التأكيد على أن التنمية المستدامة ليست مجرد أرقام ومشاريع، بل هي أمانٌ رقمي يضمن استقرار الأعمال، وثقةٌ سيبرانية تحمي الابتكار، وبيئةٌ إلكترونية آمنة تحفّز الإبداع.. فبدون الأمن السيبراني، قد تُسرق منا فرص المستقبل قبل أن نصل إليها، شكراً لسعادة د. الحجري وفريقه المميز على هذه الدعوة الكريمة وأتوق دوماً إلى التواصل مع النخب في مختلف التخصصات والمساحات لأنها في الحقيقة مجالس للتعلم ومدارس للوعي أسعد بأن أكون حاضراً بينهم فالرحلة كما أردد أهم من الوصول.