أخطر عتبات النجاح في سلّم الامتياز المؤسسي حين تبلغ الجهات التنموية أو الخيرية والإنسانية ذروة كفاءتها التشغيلية، وتصل أنظمتها إلى حالة الاستقرار التي تعبر عنها بالإنتاجية العالية، والجودة وتصبح لغة \”الأثر\” (ISOR) محركاً لأعمالها.. حين يكون الركون للإنجاز والانتشاء بتميز الأداء قد يتحول هذا الشعور إلى قيدٍ ذهبي يمنع المؤسسة وقادتها الناجحون من استشراف آفاق الابتكار ، ويجعلهم أسرى \”التحسين المستمر\” بدلاً من \”التحول النوعي\”.
في الأدبيات المرجعية لـ «هيلموت أينهاير» و«دايانا ليت»، يبرز مفهوم «الإبداع الخيري الاستراتيجي» كضرورة لا كترف. وهو مفهوم يتجاوز الاستجابة العاطفية للاحتياجات، ليعيد تعريف العمل الخيري بوصفه \”هندسة واعية للتغيير المجتمعي\”. نحن هنا لا نتحدث عن مؤسسات تُحسن إدارة الموارد فحسب، بل عن كيانات تمتلك الجسارة الفكرية لإعادة تعريف \”المشكلات\” قبل طرح \”الحلول\”.
ناقشت هذه الوثيقة الحيوية أنّ الفارق بين المؤسسة الناجحة والمؤسسة الملهمة يكمن في المسافة بين \”تجويد القائم\” و\”ابتكار الممكن\”!، بمعنى أكثر وضوح أن الكفاءة التشغيلية برغم محوريتها تظل محصورة في تحسين العمليات الراهنة، أما الإبداع الاستراتيجي فهو يسعى لتفكيك البنى التقليدية التي أنتجت الاحتياج أصلاً لذلك يتعالى الصوت للمطالبة بالانتقال من عقلية \”المانح\” الذي يمول المشروعات، إلى عقلية \”المستثمر الاجتماعي\” الذي يبني النماذج العابرة للأجيال!!.
هذا التحول يستوجب تبني مفهوم \”رأس المال الجرئ\” ذلك المال الذي لا يلهث خلف النتائج اللحظية المضمونة، بل يستثمر في \”الاحتمالات الكبرى\” ويدعم الأفكار الجريئة التي تمتلك قدرة كامنة على تغيير قواعد اللعبة المجتمعية… إنها دعوة للتحرر من ضغط الأثر القريب نحو استدامة الأثر العميق.
يرى أينهاير وليت أن المؤسسات الخيرية المبدعة هي \”خزان فكر\” (Think Tank) قبل أن تكون خزائن أموال وفي رؤيتهما إلى \”الاستدامة\” الحقيقية لا تكمن في استمرار التدفقات المالية، إنما في \”الاستدامة المعرفية\” أي في قدرة المؤسسة على إنتاج المعرفة والتأثير في السياسات العامة وتحويل تجاربها الميدانية إلى بوصلة تهتدي بها القطاعات الأخرى.
من أكثر ما لفت انتباهي في خلاصات هذا الإصدار الثري في أفكاره واستدراكه على بيئة العمل الخيري والإنساني ما تتناوله عن دور نظام قياس الأثر المطوّر وفيه يطرح فكرة التحول إلى أن يكون أداة لـ \”هندسة الأثر\” تقيس مدى التغير في السلوك المجتمعي، ومدى نضج الحلول المبتكرة لا أن يكتفي برصد النتائج الكمية، بل يجب أن يتحول إلى \”عائد التعلم\” من التجارب التي لم يكتب لها النجاح التشغيلي.
وتطرق الكتاب إلى ثقافة \”المخاطرة المحسوبة\” والقفزة القادمة نظراً لكون المؤسسات الناضجة غالباً ما تخشى الفشل حمايةً لسمعتها المؤسسية، لكن الإبداع بطبعه يستلزم هامشاً من التجريب … هنا يعرض فكرة الحاجة إلى فصل ذكي بين \”النظام التشغيلي المستقر\” وبين \”مختبرات الابتكار\” التي تجرؤ على اختبار الفرضيات الجديدة بجوار المنظومة المؤسسية لا بداخلها حتى يضمن المناخ الآمن الذي تتطلبه نماذج احتضان الابتكار والأفكار .
إن القادة في مرحلة \”ما بعد الامتياز\” هم الذين لا يسألون \”كيف نؤدي عملنا بشكل أفضل؟\” بل يطرحون السؤال الوجودي: \”ما الذي سيجعل نموذجنا الحالي غير صالح للمستقبل؟ وكيف نسبق نحن هذا التحول؟\”رسالتي لقادة العمل الخيري أقول أن القرن الحادي والعشرين لم يعد مجرد استجابة إنسانية نبيلة، وإنما هو \”فعل استراتيجي رصين\” والامتياز التشغيلي ليس نهاية المطاف، بل هو \”أرضية صلبة\” يجب أن ننطلق منها نحو سماء الإبداع إن قيمة المؤسسات الكبرى لا تُقاس بما تنجزه من مهام بل بما تفتحه من آفاق، وما تضعه من لبنات في صرح \”هندسة التغيير\” المستدام، إنها دعوة للقيادات أن يكونوا هم \”المهندسين\” لا مجرد مدراء، وأن يجعلوا من مؤسساتهم منارات للابتكار تضيء دروب الاستدامة للأجيال القادمة فالامتياز لم يعد محطة وقوف وإنما الصورة الأقرب هي أرضية انطلاق، لذلك ندعوكم لنتشارك الرؤية في جلسة استشارية تخصصية لـنقيس معاً جاهزية الابتكار ونضجه، ونحوّل معاً التحديات إلى فرص من نهج \”هندسة الأثر المستدام.\”