رمضان.. والإنسان! (١/٢)

تساءلت وأنا أستقبل بشائر هذا الشهر – شهر رمضان – .. كيف لرمضان أن يكون رافداً استراتيجياً لتسريع وتيرة تحقيق أهداف التنمية المستدامة، كيف لنفحاته الروحية وتوجيهاته القيمية أن تساهم في هندسة السياسات العامة، أكرمني الباري تعالى بختم القرآن تلاوة وقد نويت أن أتدبر فيه آيات “الاستدامة” كما أفهم أهدافها ومقاصدها فوقعت على أكثر من ٩٠٠ آية تتناول مجالات التنمية المستدامة ومؤشراتها الأساسية، حاولنا في العام الماضي أن نرفع أصواتنا تحت شعار “رمضان شهر الاستقامة والاستدامة” وفي هذا العام جاءت البشائر بتكليف ثاني وزير تنمية مستدامة في إقليمنا هذه المرة من الكويت. 

دعوني أصارحكم أصدقائي زملائي بأن التحدي في المنطقة العربية اليوم ليس التشخيص ولا حتى نقص الرؤى وإنما في فجوة التسارع بين الطموحات والإنجازات ! … تقارير لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لمنطقتنا العربية (غرب آسيا) تشير بوضوح إلى أن المسار الحالي لتحقيق أهداف التنمية المستدامة لا تسير بالوتيرة المطلوبة.. منذ العام 2019 انضم 29 مليون شخص إضافي إلى الفقر المدقع، وارتفعت نسبته من 5.9٪ عام 2015 إلى 10.2٪ عام 2022… هناك 39.4٪ من السكان يعانون من انعدام أمن غذائي سواء كان في مقياسه المتوسط أو الحاد والنسبة ترتفع إلى 58٪ في الدول المتأثرة بالنزاعات وكذا البطالة هي الأعلى عالميًا وإجهاد المياه يبلغ 113٪ من الموارد المتجددة، فيما لا تمثل الطاقة المتجددة سوى 5٪ من الاستهلاك النهائي للطاقة، ربما هي أرقام مجردة لكنها تلفت الأنظار إلى الخلل الصادم في تحويل الإمكانات إلى سياسات فعّالة!!.السؤال المختلف هذه المرة إلى أي مدى يمكن لموسم حضاري جامع مثل رمضان أن يتحول من مساحة عبادة  إلى رافعة سياساتية؟ هل يمكن لرمضان أن يساهم في إعادة هندسة سلوكنا كونه تمرين جماعي على الانضباط وترشيد الاستهلاك وإحياء التكافل ومراجعة الذات وإعادة ترتيب الأولويات. هذه القيم – إذا قُرئت بعين سياساتية – تمثل بنية تحتية أخلاقية قابلة للتحويل إلى أدوات تنموية تتمثل في  ثقافة امتثال مؤسسي وجودة تنفيذ وسياسات إنتاج واستهلاك رشيد  (SDG 12)واقتصاد اجتماعي ووقف تنموي يعزز  SDG 1 وSDG 2 وحوكمة قائمة على التقييم الدوري للأداء ، المشكلة تكمن في غياب ترجمة القيم إلى مؤشرات وأطر عمل وهي ما تجعل رمضان موسماً يتعدى مفهوم العبادة بنطاقها التقليدي الذي تعاهدها إلى مبادرة حضارية وفعالية إنسانية يمكن للعالم أن يشاركنا إشراقاته الملهمة على حاضرنا ومستقبل كوكبنا.

إتصل بي

conatct@sami-aladwani.com

النشرة البريدية