في أوقات الاستقرار يكاد ينحصر دور الإعلام كوسيلة لنقل الأخبار أو نافذة نطل منها على العالم يرانا ونراه.
لكن في أوقات التوتر والأزمات يتغير معنى الكلمة وتتبدل وظيفة الخبر ويصبح للمعلومة وزن مختلف… وزن يمس الأمان والاطمئنان في المجتمع.
المجتمعات الحديثة يقودها الوعي وما يتشكل في إدراكها من تصورات وتفسيرات للأحداث فالقرارات وحدها لا تكفي لإدارة الأزمات والتعامل مع الأحداث الاستثنائية وهو ما يتطلب من “الإعلام” أن يكون شريكاً في إدارة الوعي العام لا مجرد ناقل للوقائع.
لقد كشفت التجارب الحديثة أن أخطر ما يواجه المجتمعات في لحظات الأزمات ما يسمى بـ”السيادة المعلوماتية” لأن الفراغ الذي قد يتشكل حول الحدث تنمو في الإشاعات، وتتضخم حوله التأويلات، وتنتشر الروايات المبتورة التي قد تبث القلق في النفوس قبل أن تصل إلى الحقائق التي تعبر عن الوقائع.
ولذلك فإن المعلومة الدقيقة عندما تصل في وقتها الصحيح لا تؤدي وظيفة معرفية فحسب وإنما تقوم بدور اجتماعي أعمق فهي تسهم في “طمأنة” المجتمع وتعزيز ثقته بمؤسساته.
ومن هنا تتجلى المسؤولية الوطنية للإعلام في نقل الخبر وحسن إدارة توقيته وسياقه ولغته فالخبر حين يُقدَّم بلغة متزنة وبمعلومة موثقة يسهم في بناء الطمأنينة بينما قد تتحول الكلمة نفسها إذا ما فقدت
الدقة أو الاتزان إلى مصدر قلق أو التباس.
وفي عصر المنصات الرقمية تضاعفت هذه المسؤولية لأن كل فرد بات يمتلك في جيبه منصة إعلامية قادرة على نشر المعلومات.. أو الإشاعات في لحظات، وهنا يتجاوز دور الإعلام حدود المؤسسات المهنية ليصبح وعياً مجتمعياً مشتركاً يقوم على ثقافة التثبت قبل النشر والتثبت قبل المشاركة وهو ما نسميه “المَنَعَة” أي حصانة ضد الاستهداف الإعلامي والمعلوماتي المشبوه.
إن السيادة في عالم اليوم ما عادت تقتصر على الأرض والحدود .. لقد امتدت إلى السيادة على المعلومة فالدول التي تمتلك مصادر موثوقة للمعلومات وقنوات إعلامية قادرة على الوصول السريع إلى جمهورها تكون أقدر على حماية مجتمعاتها من التضليل والارتباك.
ولهذا فإن الإعلام المسؤول يسابق الزمن على دقة الخبر والتحقق منه لا على توقيت نشره فقط فالأخبار المثيرة غالباً ما تنتشر أسرع من الأخبار الدقيقة .. وقد اطلعت على دراسة صادمة تؤكد أن نصف الذين يتناقلون الأخبار والمقاطع أو الرسائل لم يطلعوا على المحتوى !.
إننا حين نؤدي هذا الدور بوعي واتزان يصبح جزءاً من منظومة الأمن المجتمعي وصوتاً للعقل في زمن الضجيج ولعل الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من تجارب العالم المعاصر هو أن المجتمعات التي تثق بمصادر معلوماتها تكون أكثر قدرة على تجاوز الأزمات بهدوء وثبات.
إن الثقة بين المجتمع والإعلام رأس مال حقيقي في الأزمات وأفضل وسيلة لمواجهة الإشاعات هي في الحقيقة التي تُقال بوضوح، وفي وقتها المناسب لأنها تصحح المعلومة وتحمي الوعي أيضاً.. رحم الله الشهداء الأبرار وحفظ الله بلدنا واحة أمن وأمان.