أكرر لكثيرين أن “العلم رحمٌ بين أهله” كما يقولون لذلك أجد الزيارات العلمية لحظات فارقة في حياتنا قيمتها بما تزرعه فينا من أمل وما تفتحه من آفاق لا تُقاس بمدتها أو بشخص صاحبها ونحن في زمن تتزاحم فيه الأسئلة الكبرى حول البيئة والمناخ وأنماط العيش!.
تشرفنا في DALcs.org بزيارة باحث الدكتوراه حمد الكريوين الشمري وفي معيته مسودة أفكار أطروحته وحاملاً أسئلة البحث وطموح أن يكون العلم أداة اشتغال وإصلاح لا ترفًا أكاديميًا أو التزاماً مهنياً لاشتراط الترقية أو التفرغ العلمي.
كانت الزيارة جلسة فكرية حميمة زاوجنا النقاش العلمي الصارم بروح الزمالة وتقاطعت فيها التجربة البحثية مع السياق الوطني وتركز الحوار على أنماط البناء”المستدام” وتحليل دورة حياة المباني وآفاق مواءمتها مع بيئتنا الخليجية والكويتية تحديدًا بما تحمله من خصوصيات مناخية وموارد وتشريعات وأنماط عمران.
شاركت الباحث مجموعة من الإصدارات والوثائق المرجعية خاصة تلك المرتبطة بالسياق الكويتي إيمانًا منا بأن البحث العلمي “العملي” يمكن إعادة تشكيله بما يتلاءم مع السياق المحلي والوعي بواقعنا من غير أن يفقد صلته بالمعرفة العالمية.
إن زيارة باحث شاب في مرحلة الدكتوراه يحمل هذا القدر من الجدية والرغبة في الاستماع والاستعداد للمراجعة والتقويم تعكس نموذجًا نحتاج إلى تكريسه بين أجيال الباحثين الصاعدين حيث لا يُشبع نهمه إرضاء متطلبات المشرف الأكاديمي وإنما يسعى إلى اختبار أفكاره في الميدان ويعرضها على الخبراء وأصحاب التجارب العملية، ويستدرك مبكرًا ما يمكن استدراكه قبل أن تتحول الأطروحة إلى منتج نهائي معتمد وكتقريب للفكرة نحن في المطابخ عادة نكون في حال تختلف تماماً عن واقع “السفرة” حين ننتهي إلى تقديمها.
ومن هنا، فإننا نوجّه رسالة صادقة إلى الباحثين الشباب، خصوصًا في مجالات البيئة والعمران ومجالات الاستدامة الرئيسية (المجتمع، الاقتصاد، البيئة) بنصائح من قلب دعكته التجربة:
🌿 هذا النوع من الدراسات بات اليوم في ظل المتغيرات ضرورة أخلاقية وتنموية ما عاد خيارًا تخصصيًا ضيقًا.
🌿 البحث في البناء المستدام — على سبيل المثال — وتحليل الأثر البيئي طويل الأمد هو بحث في مستقبل الإنسان وفي عدالة استخدام الموارد وفي حق الأجيال القادمة.
🌿 الانفتاح على المراكز البحثية والخبرات الوطنية، والمؤسسات الفكرية.. هو ما يمنح الأطروحة عمقها ويمنح الباحث نضجه العلمي المبكر.
نثمّن هذه الزيارة الأخوية، ونعتز بهذا النموذج من الباحثين ونتطلع أن تكون هذه الجلسة خطوة أولى في مسار علمي مثمر.. يعكس صورة مشرقة للباحث العربي حين يجمع بين الصرامة الأكاديمية، والحسّ الوطني، والوعي الإنساني بالتحديات الكبرى.