✦ الاستدامة المجتمعية 05-08-2026

خمس رسائل استراتيجية… وخارطة طريق عربية للسنوات الحاسمة

إذا كان الجزء الأول قد تناول قراءة الرسائل التي حملها تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بشأن التقدم المحرز في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، فإن السؤال الأكثر أهمية يبقى”ماذا تعني هذه الرسائل بالنسبة للعالم العربي”؟!.

في تقديري تكمن أهمية التقرير في رسم ملامح مرحلة جديدة من العمل التنموي، لا في رصد حجم الإنجاز أو التعثر والتأخر، لقد انتهى الزمن الذي كانت فيه التنمية تُقاس بعدد الخطط والاستراتيجيات، ودخلنا مرحلة أصبحت فيها القدرة على التنفيذ، وكفاءة المؤسسات وجودة الحوكمة ومرونة اتخاذ القرار هي المعيار الحقيقي للنجاح.

ومن خلال قراءة متأنية للتقرير شاركتها في حوارات الملتقى العلمي للشبكة الإقليمية للمسؤولية الاجتماعية CSR مع بعض الزملاء والخبراء يمكن استخلاص خمس رسائل استراتيجية تستحق أن تكون محور اهتمام صناع القرار في المنطقة العربية خلال السنوات الخمس المقبلة.

أولاً: أصبحت التنمية مشروعاً للأمن الوطني لا مشروعاً اقتصادياً فحسب.
فالأزمات التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة أثبتت أن الأمن (الغذاء، الطاقة، المياه) بالإضافة إلى الصحة العامة والتحول الرقمي لم تعد ملفات قطاعية منفصلة، بل أصبحت ركائز للاستقرار الوطني. ولذلك فإن الاستثمار في التنمية لم يعد خياراً تنموياً، وإنما ضرورة استراتيجية لتعزيز قدرة الدول على مواجهة الأزمات والصدمات المستقبلية.

ثانياً: مستقبل التنمية سيُقاس بقدرة المؤسسات على التنفيذ أكثر من قدرتها على التخطيط.
لا تعاني منطقتنا العربية من نقص في الرؤى أو الاستراتيجيات الوطنية، فمعظم الدول تمتلك خططاً طموحة تتوافق مع أهداف التنمية المستدامة، غير أن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل هذه الوثائق إلى برامج قابلة للتنفيذ، وربطها بمؤشرات أداء واضحة وتفعيل نظم المتابعة والتقييم، وتعزيز التكامل بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني.. فالخطة الناجحة ليست تلك التي تُكتب بإتقان، وإنما التي تُنفذ بكفاءة.

ثالثاً: البيانات أصبحت مورداً تنموياً لا يقل أهمية عن الموارد المالية.
يكشف التقرير عن أهمية البيانات الدقيقة في قياس التقدم وتصحيح المسار، ومن هنا فإن الاستثمار في قواعد البيانات الوطنية والذكاء الاصطناعي والتحليلات التنبؤية لم يعد ترفاً تقنياً، لقد أصبحت شرطاً لاتخاذ القرار الرشيد، وكلما كانت البيانات أكثر جودة وشفافية، كانت السياسات العامة أكثر قدرة على الاستجابة للاحتياجات الحقيقية للمجتمع.

رابعاً: الشراكات أصبحت نموذج العمل الجديد، لم عادت خياراً مؤسسياً.
لقد تجاوزت التنمية المستدامة مفهوم المسؤولية المنفردة للحكومات، لتصبح مسؤولية مشتركة تتقاسمها الدولة، والقطاع الخاص، والجامعات، ومراكز البحوث، ومنظمات المجتمع المدني. وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحة لبناء منصات وطنية تجمع هذه الأطراف حول أولويات مشتركة، وتحوّل الموارد والخبرات إلى مبادرات ذات أثر قابل للقياس.

خامساً: السنوات الخمس المقبلة هي فرصة لإعادة تعريف النجاح التنموي.
اعتاد زملاؤنا على قياس النجاح بعدد المشروعات المنفذة أو حجم الإنفاق، بينما يدعونا تقرير الأمين العام إلى التركيز على الأثر الحقيقي في حياة الإنسان، فالغاية ليست زيادة عدد المبادرات، وإنما تحسين جودة الحياة، وتقليص الفجوات وتعزيز العدالة، ورفع قدرة المجتمعات على الصمود أمام الأزمات.

وبالنسبة للعالم العربي، فإن هذه المرحلة تمثل فرصة أكثر منها تحدياً، كون المنطقة تمتلك إمكانات استثمارية كبيرة، وبنية تحتية متقدمة في العديد من الدول، وخبرات متراكمة في مجالات التحول الرقمي والطاقة والابتكار.

وهنا أود الإشادة بالرؤى الوطنية الطموحة وفي مقدمتها رؤى التنمية الخليجية، التي توفر أرضية مناسبة لتسريع تحقيق أهداف التنمية المستدامة إذا ما أُحسن ربطها بالمؤشرات العالمية، وتعزيز التكامل الإقليمي في تنفيذها.

وقد يكون من المقبول أن نتشارك طرح فكرة الانتقال من الحديث عن “تنفيذ” أهداف التنمية المستدامة إلى بناء  منظومة عربية “لتسريع” الإنفاذ التنموي .. منظومة تركز على تبادل الخبرات، ونقل الممارسات الناجحة، وتطوير القدرات المؤسسية، وتوسيع نطاق الشراكات، والاستفادة من الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي في تحسين السياسات العامة ورفع كفاءة الخدمات.

إن الرسالة الأكثر عُمقاً التي يطرحها تقرير الأمين العام لا تكمن في أن العالم يتأخر عن تحقيق أهدافه، وإنما أن نافذة الفرصة ما زالت مفتوحة، لكنها تضيق بسرعة، وخلال السنوات خمس القادمة، ستتحدد ملامح المرحلة التالية من التنمية العالمية.. إما أن تكون امتداداً لما تحقق من إنجازات، أو بداية لفجوة جديدة بين الطموحات والواقع.

ويبقى الرهان الحقيقي على قدرة مؤسساتنا العربية على أن تجعل من هذه السنوات القليلة مرحلة للتحول النوعي، لا مجرد مرحلة لاستكمال التقارير الدورية، فالتاريخ لا يتذكر عدد الاستراتيجيات التي كُتبت، إنما يتذكر المجتمعات التي نجحت في تحويل الرؤية إلى واقع والطموحات إلى أثر، والسياسات إلى جودة حياة يشعر بها الشباب والناس.

س

سامي العدواني

خبير في التنمية المستدامة (SDGs)

f x in wa

إتصل بي

conatct@sami-aladwani.com

النشرة البريدية