✦ الاستدامة المجتمعية 13-09-2026

المركز الوطني للعمل الخيري والإنساني

لم يعد قانون تنظيم العمل الخيري والإنساني مشروعاً متداولاً أو مادة للنقاش والتكهن، فقد أصبح اليوم تشريعاً نافذاً بنشر المرسوم بقانون رقم 87 لسنة 2026 في الجريدة الرسمية، ليطوي بذلك مرحلة من النقاش حول الحاجة إلى قانون ينظم هذا القطاع، ويفتح في المقابل مرحلة أهم تتعلق بكيفية تطبيقه وقراءة آثاره، وتحويل مقاصده إلى ممارسة مؤسسية مستدامة.

تابعت مداولات وجولات القانون على مدى السنوات العشر الأخيرة وأشعر أن إصداره يمثل الخطوة الأهم في مسار إعادة إنتاج بيئة العمل الخيري والبناء على مكتسباته، وأود تهنئة معالي الوزيرة د. أمثال الحويلة ووكيلتها الدؤوبة إيمان العنزي وكل من سعى لإصداره فقد بات لدينا ما نبني عليه ونتقدم خطوات إلى الأمام نحو استكمال أطر المنظومة من لوائح عصرية إلى نظم ذكية وتأهيل الكوادر الفنية وأكثر من عشر مسارات كنت قد دونتها في تقرير الاستدامة الأول عن القطاع الخيري والإنساني تأخذنا لمساحة تفعيل أكثر نضجاً وكفاءة.

كنت أتساءل مع بعض الزملاء قبل إصداره ماذا نريد من القانون أن يصنع في مستقبل العمل الخيري والإنساني؟! واليوم بعد صدوره أعتقد أن السؤال أصبح أكثر إلحاحاً ماذا يمكن سنصنع نحن بهذا القانون؟!، فالتشريع الجديد لا يقف عند تنظيم جمع التبرعات أو ضبط مصادر الأموال وأوجه إنفاقها، وإنما يؤسس لمنظومة أوسع من خلال إنشاء المركز الوطني للعمل الخيري والإنساني، ووضع استراتيجية وطنية شاملة لدعم وحماية العمل الخيري، ودليل لحوكمة العمل الخيري، ومدونة لأخلاقياته، إلى جانب قواعد للبيانات والسجلات وآليات للرقابة والتقييم.

وهذا في تقديري نقطة التحول الأهم لأننا ننتقل من مرحلة كان التنظيم فيها موزعاً بين تشريعات وإجراءات متعددة، إلى محاولة بناء إطار مؤسسي أكثر تكاملاً، ولعل من أبرز ما يستحق البناء عليه أن المرسوم بقانون رقم 87 لسنة 2026 صدر في 8 سبتمبر ونشر في الجريدة الرسمية اليوم، وأنه أنشأ المركز الوطني للعمل الخيري والإنساني، ونص على استراتيجية وطنية ودليل لحوكمة العمل الخيري ومدونة للأخلاقيات، إلى جانب تنظيم التبرعات وأموال الجمعيات وحقوق المستفيدين وخصوصيتهم، كما أن المادة 42 منحت الجمعيات استقلالية في تنفيذ برامجها وأنشطتها ومشروعاتها المرخصة، والمادة 61 فتحت باباً مهماً لدعم الجمعيات التي تقدم أنشطة تحتاجها الدولة أو تنفذ مشاريع مبتكرة.

نعم الرقابة ضرورة والامتثال مسؤولية، وحماية أموال المتبرعين وصون خصوصية المستفيدين واجب أصيل، وقد حمل القانون عناية واضحة بهذه الجوانب، حتى إنه ألزم بإتاحة البيانات المالية الخاصة بحملات جمع التبرعات وآلية الإنفاق عليها، وفي الوقت ذاته شدد على سرية بيانات المتبرعين والمستفيدين وحماية كرامتهم، لكنني أرى أن نجاح القانون لن يقاس فقط بمدى قدرة المؤسسات الخيرية على الالتزام بأحكامه، وإنما بقدرتها على الانتقال معه إلى مستوى جديد من المهنية والاستدامة.

فالجهة  الخيرية (جمعية أو مبرة أو حتى مبادرة تطوعية) في المرحلة المقبلة مطالبة بأن تعرف ماذا تفعل ولماذا قامت به ولمن تحديداً وجهته إليه وبأي موارد خصصتها أو مصارف وجهتها وما هو التحول الذي أحدثته في حياة المستفيد الأخير بعد دعمها ومشاركتها، وهنا تكمن محورية الأداء وقيمة التحول الذي نتوخاه من إدارة آليات الجمع والتحصيل إلى إحكام عمليات التنفيذ وإدارة النتائج بما يحقق استدامة الأثر.

ومن اللافت أن القانون نفسه يفتح نافذة لهذا التوجه، فقد جعل من بين أسس الإعانات المقررة للجمعيات ممارسة الأنشطة التي تحتاجها الدولة، والسعي إلى تنفيذ مشروع مبتكر يخدم الأهداف الاجتماعية والثقافية والإنسانية، وهنا ألفت النظر إلى مبادرة “الحماية الاجتماعية” التي ناقشتها الوزارة مع قطاع واسع من الجهات الحكومية والجمعيات الخيرية وهي تؤسس لاستراتيجية وطنية تهدف للقضاء على الفقر وتعزيز الجاهزية للمستقبل، وهذا يعني أن الابتكار لم يعد فكرة هامشية في العمل الخيري، وإنما يمكن أن يصبح أحد مداخل دعمه وتمكينه، ومن هنا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخيري والإنساني .. شراكة تقوم على التوطين والتمكين معاً، وعلى الرقابة والتطوير، وعلى حماية القطاع من الممارسات التي تسيء إليه، وفي الوقت ذاته حماية قدرته على المبادرة والاستجابة والابتكار.

إن نجاح المركز الوطني للعمل الخيري والإنساني في أن يكون مظلة وطنية تجمع المعرفة والخبرة والبيانات والتدريب والتنسيق وتحقيق أفضل استدامة ممكنة للأثر المنشود، وتساعد على بناء قطاع خيري أكثر احترافاً وحوكمة، فالقانون منحه مسؤولية وضع الاستراتيجية الوطنية ودليل الحوكمة ومدونة الأخلاقيات، وهي أدوات يمكن أن تصنع تحولاً حقيقياً إذا أحسن استخدامها.

ختاماً نريد من القانون الجديد أن يؤسس لقطاع يعزز الثقة ويحمي المال الخيري والإنساني، ويصون كرامة المستفيد، ويرفع منسوب الحوكمة ويستثمر في التطوع، ويطلق العنان للابتكار ويقيس الأثر بمؤشرات جادة قائمة على الحقوق والمعايير، نريد خيراً يستجيب للأنين ويواجه الهشاشة والحاجة، يبحث في جذور التحديات والمشكلات ولا ينشغل في الهوامش والسطحيات، خيراً لا يكتفي بأن ينفق وإنما يعرف ماذا أثمر بما أنفق، لقد أصبح لدينا اليوم قانون ينظم العمل الخيري والإنساني، ويبقى أن نبني معه نموذجاً كويتياً للعمل الخيري المستدام وهنا تبدأ المرحلة الأهم.

س

سامي العدواني

خبير في التنمية المستدامة (SDGs)

f x in wa

إتصل بي

conatct@sami-aladwani.com

النشرة البريدية