لم تعد المدينة مجرد تجمع سكاني أو مساحة تُملأ بالمباني والطرق، فقد أصبحت اليوم قضية استدامة عالمية، يعيش فيها أكثر من نصف سكان العالم، ويُتوقع أن تقترب النسبة من 70% بحلول عام 2050. وهذا يفتح مرحلة أهم من الحديث عن المدن المستدامة، تتعلق بكيفية قراءة أثرها في حياة الناس، وتحويل مقاصدها إلى ممارسة مجتمعية مستدامة.
تابعت الحديث عن المدن المستدامة وأشعر أن الهدف الحادي عشر من أهداف التنمية المستدامة يمثل الخطوة الأهم في هذا المسار، فقد وضع أمام العالم رؤية واضحة لـ«مدن ومستوطنات بشرية شاملة للجميع، وآمنة، وقادرة على الصمود، ومستدامة». غير أنني أتساءل: حين نتحدث عن المدن المستدامة تتجه أنظارنا غالباً إلى المباني الخضراء وكفاءة الطاقة والنقل العام وإدارة النفايات والمساحات الخضراء، وكل ذلك ضروري، لكن يبقى سؤال أكثر عمقاً: ماذا عن الإنسان الذي يعيش في هذه المدينة؟ وهل تكفي استدامة المكان لنقول إن المجتمع أصبح مستداماً؟
وهذا في تقديري نقطة التحول الأهم، لأننا ننتقل من النظر إلى المدينة بوصفها مكاناً مستداماً، إلى النظر إليها بوصفها عمراناً وحياة إنسانية، ومن الإنسان بوصفه مستفيداً إلى الإنسان بوصفه شريكاً في صناعة الاستدامة. فالمدينة في معناها التخطيطي شبكة من الطرق والمباني والخدمات، أما العمران فهو أوسع: إنه الطريقة التي يسكن بها الإنسان المكان، ويتحرك فيه، ويلتقي بغيره، ويعمل ويتعلم ويتعبد ويترفه ويشارك، ويصنع علاقاته وانتماءه وذاكرته. وهذا الانتقال هو ما أسميه «الاستدامة المجتمعية».
ولعل من أبرز ما يستحق التوقف عنده أن الأرقام تكشف فجوات لا تزال قائمة؛ فبحسب بيانات الأمم المتحدة، بلغ عدد سكان الأحياء الفقيرة أو المستوطنات غير الرسمية نحو 1.16 مليار شخص في 2024، أي 24.8% من سكان المناطق الحضرية، ولم تتجاوز نسبة السكان الذين يتمتعون بوصول مريح إلى الفضاءات العامة المفتوحة 45.9% في 2025. والفراغ العام ليس مجرد مساحة متبقية بين المباني، بل يمكن أن يكون حيّزاً للحياة والتفاعل والمشاركة والانتماء والراحة واللعب والتعلم والممارسة المدنية. فالتحدي الحضري ليس أن نبني مدناً أكبر، وإنما كيف نبني مدناً أفضل للإنسان.
ومن هنا أرى أن المعادلة التي نحتاجها بسيطة: استدامة المكان + تمكين الإنسان = استدامة المجتمع. فالإنسان في المدينة المستدامة ليس مستفيداً من خدماتها فقط، بل هو مستخدمٌ للمكان، وشريكٌ في التخطيط، وحامٍ للموارد، ومشاركٌ في القرار، وصانعٌ للقيمة والأثر. وهنا نحتاج إلى إعادة تعريف النجاح الحضري، فلا يكفي أن نقول أنشأنا حديقة أو طورنا شبكة نقل، بل نسأل: هل أصبح المكان أكثر أماناً؟ هل أصبح الوصول إليه أكثر عدالة؟ هل زادت المشاركة؟ هل تحسنت جودة الحياة؟ هل اكتسب المجتمع قدرة على المحافظة على الأثر؟
ومن اللافت أن التجارب العالمية نفسها تفتح نافذة لهذا التوجه، فنحن لا نحتاج إلى البحث عن مدينة مثالية، وإنما عن ممارسات يمكن التعلم من منطقها. ففي برشلونة أعادت تجربة «Superblocks» توزيع الشارع بين السيارات والإنسان، بهدف استعادة أجزاء من المجال العام للمشاة والأنشطة الاجتماعية والبيئية، واستعاد حي Sant Antoni أكثر من 23 ألف متر مربع للاستخدامات الاجتماعية والمساحات الخضراء، مع انخفاض حركة المرور في الحي بنحو 10%، فلم تبنِ المدينة فراغاً جديداً، بل أعادت تعريف الفراغ الموجود. وفي باريس تطورت ممارسات القرب ومنها «مدينة الربع ساعة» و«شوارع الأطفال» و«ساحات الواحة»، وهذا يعني أن الاستدامة لا تبدأ دائماً بمشروع ضخم، وإنما قد تبدأ بإعادة تصميم الطريق إلى المدرسة. وفي منطقتنا العربية تبنت دبي في مخططها الحضري 2040 مفهوم مدينة الـ20 دقيقة، بهدف توفير 80% من احتياجات السكان اليومية عبر المشي أو ركوب الدراجات أو وسائل التنقل المرنة، وهنا ألفت النظر إلى سؤال مهم أمام المدن الخليجية التي ارتبط نموها طويلاً بالسيارة الخاصة: كيف يمكن الانتقال نحو تطبيقات حياتية أكثر استدامة تتناسب مع هويتنا ونماذجنا العمرانية؟
ومن هنا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى خارطة طريق عربية تقوم على خمسة انتقالات: من المدينة إلى العمران، ومن المكان إلى جودة الحياة، ومن المستفيد إلى الشريك، ومن المورد إلى رأس المال المجتمعي، ومن المشروع إلى المنظومة، بحيث تتكامل الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمؤسسات التعليمية والمجتمع المحلي. ولا يكتمل ذلك دون لوحة مؤشرات حضرية مجتمعية لكل مدينة أو مجتمع محلي، تجمع بين مؤشرات الهدف 11 ومؤشرات الأثر المجتمعي، وتقيس ستة محاور: المكان والحركة والإنسان والمورد والمجتمع والأثر.
فالمدينة (حياً كانت أو مجتمعاً محلياً أو مبادرة) في المرحلة المقبلة مطالبة بأن تعرف ماذا تقدم ولمن، وبأي موارد، وما هو التحول الذي أحدثته في حياة الإنسان، لأن المجتمع المستدام ليس الذي يحصل على خدمات أفضل فحسب، وإنما الذي يمتلك القدرة على المشاركة في صناعة تلك الخدمات، وحماية مواردها، وتطويرها، واستمرار أثرها.
ختاماً، نريد من المدن أن تؤسس لحياة أكثر عدالة وأمناً ومشاركة، وأن تقيس نجاحها بجودة الحياة لا بحجم المكان، نريد مدناً لا تكتفي بأن تُبنى، وإنما تعرف ماذا أثمر بناؤها في حياة الناس، ويبقى أن نبني نموذجاً عربياً للاستدامة المجتمعية، وهنا تبدأ المرحلة الأهم.