✦ Uncategorized 26-05-2026

التنمية المستدامة بين الشعار والقرار !

ينعقد المنتدى العربي للتنمية المستدامة AFSD كل عام ليجدد السؤال الذي يُطرح على قائمة جلساته: لماذا نعرف تحدياتنا ومشاكلنا وما يجب فعله، ومع هذا لا ننجزه؟!.

في دورة المنتدى الحادي عشرة التي نظمتها الإسكوا افتراضيًا هذا العام، بدا لي السؤال أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، فالمشهد الإقليمي ما يعد يحتمل المزيد من التشخيص، ولا مزيدًا من التوافقات اللفظية، ما نحتاجه اليوم هو الانتقال من التنمية بوصفها وعدًا أخلاقيًا إلى التنمية بوصفها قرارًا سياسيًا وتنفيذيًا.

خلال متابعتي معظم جلسات المنتدى التي ناهزت 12 جلسة على مدى أسبوعين بلغت ساعاته 24 ساعة من العروض وأوراق العمل والحوارات الجادة، استخلصت من مجمل ما تم طرحه أن الخطاب التنموي العربي لم يعد فقيرًا في الرؤى، لكنه ما زال محدودًا في الآليات والأدوات.. فالأهداف معروفة، والمؤشرات محددة، والالتزامات معقودة… لكن فجوة التنفيذ تتسع عامًا بعد عام!.

على سبيل التقريب للمشهد العام ناقشه المنتدى الهدف السادس الذي يتعلق بالمياه، كنافذة أطل منها المجتمعون على عمق التحدي التنموي في المنطقة العربية التي تضم عدداً من أكثر دول العالم شُحًا في الموارد المائية، ومع ذلك ما زال التعامل مع الماء في كثير من السياسات العامة أقرب إلى إدارة أزمة، لا إلى إدارة مورد استراتيجي!.

لقد أظهرت أوراق المنتدى بوضوح أن جذور الإشكالية ليست في ندرة المياه وحدها وإنما في ضعف الحوكمة، وارتفاع حجم الفاقد فضلاً عن تشتت البيانات لأن قرار الماء في نهاية المطاف سيادي يرتبط بالأمن الغذائي، والاستقرار الاجتماعي وحتى بالسياسة الخارجية في أحواض المياه المشتركة.

أما الهدف الحادي عشر الذي يتعلق بالمدن المستدامة، فقد كشف مفارقة لافتة أن المدينة العربية هي المكان الذي تتجسد فيه كل أهداف التنمية… وهو أيضًا المكان الذي تتعثر فيه جميعها.. فهناك تمدن يتسارع وهناك تخطيط غير متكامل ومركزية على صعيد القرار، جعلت كثيرًا من مدننا أقل قدرة على المرونة والصمود في وجه  الأزمات، سواء كانت مناخية أو اقتصادية أو اجتماعية، لقد توافق المتحدثون في جلسات المنتدى على أن المدينة لم تعد مجرد نطاق خدمي، بل وحدة كاملة فإذا لم تُمنح المحافظات والبلديات الصلاحيات والموارد، ستظل الاستدامة شعارًا يُرفع لا قراراً يترجم التطلعات إلى واقع !!.

ولعل جلسة الهدف الثامن المتعلق بالعمل اللائق والنمو الاقتصادي، شهدت أكثر النقاشات سخونة فقد برزت إحدى أكثر الحقائق إرباكاً ذلك أن “النمو الاقتصادي في المنطقة لا يترجم بالضرورة إلى وظائف لائقة” فالشباب والنساء ..  والعاملون في ما يسمى بـ “الاقتصاد غير المنظم”، يدفعون ثمن نموذج تنموي يركز على عدد الأرقام الإجمالية ويتجاهل جودة النمو وعدالته، وقد شددت نقاشات المنتدى على أن الحماية الاجتماعية ليست عبئًا ماليًا بل شرطًا للتمكين الاقتصادي، وأن مواءمة التعليم مع سوق العمل ضرورة وجودية لاستدامة الأعمال وإنعاش الاقتصاد وضمان الحد الأدنى من النمو.

الخلاصة التي حاول المنتدى رفع الصوت هذه المرة بصيغ مختلفة.. أن التحدي الأبرز الذي يواجهنا يكمن في آليات التنفيذ وأدواته وكيف ننفذه أكثر من الذي نرغب بتنفيذه.. فكيف تكون كفاءة التنفيذ في ظل البيانات غير المكتملة ولا المعبرة عن الحقائق في الميدان، أو التمويل المقيد بأدوات تقليدية خلت من الأفكار والابتكار، وفي ظل شراكات يجري إعلانها والتعهد بها دون إنفاذها وحسن إدارتها.أكثر ما لفت انتباهي في منتدى هذا العام وقد تكون القيمة الأهم التي خرج بها هي الاعتراف بأن الاستدامة مشروع يُقاد ويمكن إدارته وطنياً  وليس برنامجاً أمميًا يتم استيراده إنما هو قرار نابع من الوعي والاحتياج من رحم الواقع، وتبقى المنصات الإقليمية من مؤسسات أممية وهيئات تنسيقية أن تتحول من كونها منبراً أو منصة إلى دور الممكن والداعم للتنفيذ، من يتابع تفاصيل المنتدى يدرك أن لدينا ما يكفي من المعرفة والتشخيص … وما ينقصنا هو المزيد من الشجاعة والجرأة على الفعل.

س

سامي العدواني

كاتب المقال

f x in wa

إتصل بي

conatct@sami-aladwani.com

النشرة البريدية