✦ مقال 04-07-2026

التنمية المستدامة وكأس العالم FIFA

لم تعد الرياضة في عالم اليوم، مجرد منافسة تُحسم بنتيجة أو كأس يُرفع على منصة التتويج لقد أصبحت فعلاً اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً عميق الأثر، وقوة ناعمة قادرة على إعادة تشكيل السلوك الجمعي، وصناعة المعنى، وفتح مسارات جديدة للتنمية المستدامة، ويأتي كأس العالم FIFA في قلب هذا التحول، بوصفه الحدث الرياضي الأوسع تأثيراً وانتشاراً على مستوى العالم.

كانت مهمتي حين شاركت في صناعة الاستراتيجية للهيئة العامة للرياضة في الكويت مواءمة أهداف التنمية المستدامة مع مرتكزات الاستراتيجية وضمان توافقها مع أهداف الـSDGs2030 ومقاصدها النبيلة وهذا أكثر ما يميز كأس العالم لا من حيث حجم الزخم الجماهيري أو القيمة الإعلامية، إنما القدرة على تحويل الرياضة إلى منصة عالمية للتنمية.

فخلال أسابيع معدودة تتقاطع قضايا الصحة مع العمل اللائق والبنية التحتية مع البيئة، والهوية الثقافية مع المؤسسات القوية.. في تجربة إنسانية مشتركة يتابعها مليارات البشر ولهذا تنظر منظومة الأمم المتحدة إلى الرياضة باعتبارها أداة “منخفضة التكلفة عالية التأثير” لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، كما تؤكد ذلك مبادراتها المعنية بالرياضة من أجل التنمية والسلام، ومنها اليوم الدولي للرياضة من أجل التنمية والسلام ومبادرة Football for the Goals  .

وعند التوقف أمام تجربة كأس العالم من زاوية الاستدامة تبرز ملامح أساسية لا يمكن تجاهلها فالحدث يُنظَّم هذه المرة عبر دول متعددة وأكثر من مدينة، ويتطلب تحضيراً يمتد سنوات واستثمارات ضخمة في النقل، والطاقة، والملاعب، والمساحات الحضرية.. هنا تكمن الفرصة كما يكمن التحدي فهل تُصمَّم هذه الاستثمارات لتخدم البطولة فقط أم لتبقى إرثاً تنموياً يخدم المجتمعات بعد انطفاء الأضواء ومغادرة الفرق المتنافسة؟!.

وهنا تتحول الاستدامة لتكون معياراً حاكماً لنجاح البطولة لا مجرد إضافة تجميلية، لأن الملاعب المستدامة وأنظمة النقل منخفضة الانبعاثات، وإدارة النفايات، وترشيد استهلاك المياه والطاقة.. انعكاس رؤية تجد في الرياضة مدخلاً لبناء مدن أكثر جودة للعيش ومجتمعات أكثر وعياً ورشداً بأنماط الحياة المستدامة واقتصادات أكثر تنوعاً تستثمر في فرص العمل المؤقتة والدائمة التي تولدها البطولة، هذا عدا عن برامج التطوع وتمكين الشباب والمرأة إنها تمثل أبعاداً اجتماعية لا تقل أهمية عن الأبعاد البيئية المشاهدة والملموسة.

أكثر ما يثر انتباهي واهتمامي على المستوى القيمي، تلك :الفرادة” التي تمتلكها الرياضة في القدرة على تجاوز الحواجز الثقافية والسياسية وبناء جسور الثقة وتعزيز ثقافة السلام والتعايش.. فحين يتشارك الملايين لحظة الفرح أو خيبات الأمل تتشكل لغة إنسانية مشتركة تتجاوز الانقسامات وتعيد التذكير بأن التنمية المستدامة في عمقها وجوهرها هي مشروع حضاري إنساني قبل أن تكون برنامجاً فنياً.

إن كأس العالم إذا ما أُدير بعقلية مستدامة، يمكن أن يتحول إلى مختبر عالمي للتنمية ومن حدث موسمي إلى أثر ممتد يتجاوز بعده المكاني والزماني.. والسؤال الذي يُلح علينا معشر العاملون في حقول التنمية والاستدامة والذي ينبغي أن يتردد صداه في الأرجاء ويرافق كل نسخة من بطولات كأس العالم .. ما الذي كسبته المدن وماذا تعلمت المجتمعات وماذا سيبقى للأجيال القادمة بعد صافرة النهاية؟! .. لا سؤال من الذي فاز بالبطولة ؟!.

س

سامي العدواني

خبير في التنمية المستدامة (SDGs)

f x in wa

إتصل بي

conatct@sami-aladwani.com

النشرة البريدية