✦ الاستدامة البيئية 24-08-2026

المناخ في الإعلام!

حين باشرنا في DALcs.org التحضير لإطلاق ورشة إقليمية عن المناخ في الإعلام Climate in the Media بالشراكة مع الحاضنة الإنسانية REVOLV وبإشراف من الناشطة والباحثة المرموقة مريم جابالله لم يدر في خلدي وقتها هذا التأثير البالغ الذي تركته النقاشات والحوارات النقدية إلى هذا الحد، كل ما كنت أتشوف إليه أن نتشارك مع زملائنا الإعلاميين كيف نساعد ونساهم في رفع منسوب وعيهم واهتمامهم في مستجدات قضايا المناخ في تسارع حدة التدهور على الرغم من كم الجهود المبذولة والتي أقل ما يمكن أن توصف بأنها “غير كافية”!.

كنّا في السابق من السهل علينا أن نعرف أين توجد أخبار المناخ التي عادة ما تتواجد في قسم البيئة، كانت القصة حينها تدور حول ارتفاع درجات الحرارة وانبعاثات الكربون وعن ذوبان الجليد أو حرائق الغابات، وعن الفيضانات والجفاف.. أما اليوم فلم يعد من السهل أن نضع المناخ في قسم محدد فقد أصبح في الماء والغذاء وفي الصحة والطاقة والمدن والاقتصاد والتمويل، حتى في قدرة المجتمعات على الصمود أمام الأزمات.

وهذا أحد أهم ما يمكن أن نلتقطه من تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول التقدم المحرز في أهداف التنمية المستدامة الذي عُرض في المنتدى السياسي رفيع المستوى في يوليو 2026 وهو يحاول قراءة التحولات التي مرّت خلال عشر سنوات من المضي في خطة “تحويل عالمنا” التي انطلقت في الأول من يناير ٢٠١٦ ولم يبق على أوانها إلا أقل من خمس سنوات حتى العام ٢٠٣٠.

اللافت في التقرير أنه لا يتعامل مع تغير المناخ باعتباره قضية “بيئية” منفصلة عن سياقها، وإنما يضعها داخل شبكة أهداف التنمية كلها.. فالحرارة والجفاف والفيضانات والكوارث لا تؤثر في البيئة وحدها وإنما تمتد آثارها إلى إنتاج الغذاء وسلاسل الإمداد والأسعار عدا عن المياه والصحة والمدن والنظم البيئية.

حاولت في مداخلتي التي شاركتها جمهور الفعالية أن أشير اعتقاد بات يتأكد في يقيني أن أمام الإعلام فرصة مهمة لإعادة صياغة القصة المناخية فبدلاً من أن نسأل عن أخبار المناخ علينا أن نسأل السؤال الأعمق والأكثر ارتباطاً في حياتنا ” أين يعيش تغير المناخ بيننا؟!”.

عندما تتجاوز الحرارة مستوى قياسياً، فإن ما ينبغي أن تتوقف عنده القصة التي نرويها أو السردية التي ننقلها في قوالبنا الإعلامية عن الذي تأثر؟ وما الذي حدث للعامل الذي يعمل نهاراً في الخارج؟ وللمريض كيف تفاعل مع هذا التغير؟ وكذلك للطالب وما الذي استجد لأحمال الطاقة واستهلاك الكهرباء؟  وهكذا بالنسبة للمياه؟ ولأسعار الغذاء؟!.

ومثل ذلك عندما يحدث تغمر مياه الأمطار مدينة ما .. على الإعلامي المناخي والصحافي البيئي ألا يكتفي بتصوير المياه وهي تغمر الشوارع بل أن يتساءل عمّا هو أهم عن المنطقة والمدينة ودرجة استعدادها وتحضيرها لهكذا متغيرات؟ وما الذي فعلت من إجراءات؟ وأين كانت الفجوات؟ وما الذي ينبغي أن يتغير للمرات القادمة؟

بهذه الطريقة ننتقل من خبر المناخ إلى قصة المناخ والفرق بينهما كبير وكبير جداً فالخبر ينقل ما حدث، أما القصة فتحاول أن ترفع من منسوب وعينا وفهمنا لماذا حدث .. ومن تأثر به.. وما الذي يمكن فعله.. ومن يتحمل مسؤولية الفعل.. ثم نعود بعد فترة لنسأل..  هل نجح الحل؟!.

وهنا ربما نحتاج أيضاً إلى مراجعة خطابنا الإعلامي، لقد اعتمدنا طويلاً على صور الكوارث والخوف والتحذير، وهي مهمة أجد أنها مفيدة لجذب الانتباه لكنها غير كافية في تقديري لبناء الفهم، فالجمهور يحتاج أن يعرف أن الخطر كبير لكنه يحتاج أيضاً إلى أن يعرف أن هناك جهوداً وحلولاً، وأن هناك سياسات واستثمارات وأن هناك تجارب وخبرات يمكن متابعتها ومساءلة أصحابها عن نتائجها.

لذلك أرى أن الإعلام المناخي في المرحلة المقبلة ينبغي أن ينتقل من التوعية إلى المساءلة، عندما تعلن حكومة خطة للتكيف مع تغير المناخ، نسأل عن المؤشرات والتمويل والنتائج، وعندما تعلن شركة التزاماً بخفض الانبعاثات نسأل عن البيانات وخط الأساس، وعندما تطلق محافظة أو بلدية مشروعاً أخضر، لا نكتفي بتغطية حفل الافتتاح إنما نعود بعد عام لنسأل ما الذي تبدل وتغير من واقع العام الماضي؟!.. صدقوني يا كرام هذه ليست إضافة إلى وظيفة الإعلام ربما هي جوهر دوره في مرحلة أصبحت فيها التنمية والمناخ جزءاً من مستقبل المجتمعات!.

وفي عالمنا العربي، لا أعتقد أننا بحاجة إلى استيراد قصة مناخية جاهزة لدينا قصصنا الخاصة .. على سبيل المثال في الخليج قد تكون قصة المناخ قصة ماء وطاقة وحرارة وصحة ومدن وسواحل… وفي بلد زراعي قد تكون مياه ومحاصيل وغذاء ودخل .. وفي مدينة ساحلية قد تكون بحراً ونقلاً وبنية تحتية وسكناً واقتصاداً .. المطلوب فقط أن نعرف أين يعيش المناخ في حياة جمهورنا.

وربما تكون هذه هي النقلة التي حاولت تمريرها في كلمتي ومداخلتي .. نحتاج ألا نكتفي بأن “نصدم” الناس بأخبار تغير المناخ، وإنما علينا أن نساعدهم على فهم ماذا يعني ذلك لحياتهم، ولصنّاع القرار علينا أن نشرح لهم ما الذي يمكن فعله للاحتراز وتجنب غوائل هذا التغير، وهل ستحدث فعلاً  تحولات وتداعيات أكثر .. فالمناخ في النهاية هو قصة عن تحولات الكوكب.. وهو كذلك قصة عن الطريقة التي سنعيش بها على هذه الأرض!!.

س

سامي العدواني

خبير في التنمية المستدامة (SDGs)

f x in wa

إتصل بي

conatct@sami-aladwani.com

النشرة البريدية